مَا حُسْنُ بَلْقِيْسٍ وَمَا كَنْعَانُ؟
عِنْدَ الَّتِي فِي وَصْفِهَا تِبْيَانُ
حُورِيَّةٌ، إِنْ أَسْفَرَتْ عَنْ وَجْهِهَا
جَاءَ الضِّيَاءُ وَغَابَتِ الأَكْوَانُ
نُورٌ مِنَ السِّحْرِ الحَلَالِ تَجَسَّدَتْ
فَتَعَجَّبَ الإِنْسِيُّ وَالجَانُ
رَقَّتْ مَحَاسِنُهَا، فَلَوْ مَرَّتْ بِهِ
لَاسْتَيْقَظَ الشَّجَرُ النَّدِيُّ وَلَانُوا
بَيْضَاءُ، يَخْجَلُ مِنْ سَنَاهَا مَرْمَرٌ
وَيَغَارُ مِنْ رُؤْيَتِهَا الأُقْحُوَانُ
لَا لَوْنَ يُشْبِهُ لَوْنَهَا، أَوْ نَشْرَهَا
حَتَّى وَإِنْ زُيِّنَتِ الأَفْنَانُ
عَسَلِيَّةُ العَيْنَيْنِ، فِي أَلْحَاظِهَا
سِحْرٌ يَذِلُّ لِعِزِّهِ الفُرْسَانُ
عَيْنَاكِ بَحْرٌ لَا قَرَارَ لِعُمْقِهِ
فِيهَا يَضِيعُ الصَّبُّ وَالحَيْرَانُ
مَمْشُوقَةٌ كَالرُّمْحِ فِي خَطَوَاتِهَا
فَكَأَنَّهَا فَوْقَ الثَّرَى سُلْطَانُ
تَسْبِي القُلُوبَ بِنَظْرَةٍ مَسْحُورَةٍ
فَيَخِرُّ مِنْ صَوْلَاتِهَا الشُّجْعَانُ
تَمْشِي فَيَعْجَبُ كُلُّ غُصْنٍ مَائِلٍ
أَنَّ الغُصُونَ يَزِيْنُهَا الرُّمَّانُ
خَمْرُ الدَّلالِ بِثَغْرِهَا قَدْ أُسْكِرَتْ
مِنْهُ العُقُولُ، وَهَامَتِ الأَبْدَانُ
فِي ثَغْرِهَا دُرٌّ تَلالأَ نُورُهُ
فَإِذَا حَكَتْ، تَتَرَاقَصُ الأَوْزَانُ
قَامَتْ تُبَاهِي بِالكَمالِ دَلَالَهَا
فَانْهَدَّ مِنْ حَسَدٍ لَهَا الإِيوَانُ
تَبْدُو بِكَامِلِ حُسْنِهَا وَجَمَالِهَا
فَيَذُوبُ مِنْ عَبَقٍ لَهَا الرَّيْحَانُ
تَخْتَالُ فِي ثَوْبِ الجَمَالِ بَدِيْعَةً
فَيَغَارُ مِنْ لَفَتَاتِهَا الغِزْلانُ
هِيَ طَفْلَةٌ فِي رِقَّةٍ، لَكِنَّهَا
بَيْنَ النِّسَاءِ مَلِيْكَةٌ وَكِيَانُ
فَإِذَا مَشَتْ، تَمَايَلَتْ أَغْصَانُهَا
وَبِهَا يُجَنُّ الشِّيْحُ وَالشَّيَّانُ
وإِذَا رَنَتْ، سَكَتَ الكَلامُ بِمَنْطِقِي
وَاسْتَبْسَلَ الإِعْجَابُ وَالإِيْمَانُ
يَا مَنْ لِحُسْنِكِ تَخْضَعُ الأَوْزَانُ
وَبِوَصْفِ طِيْبِكِ تَعْذُبُ الأَلْحَانُ
لَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنُ العَذَارَى بَهْجَةً
فِي وَجْهِهَا، لَتَصَدَّعَ البنيانُ
يَا وَيْحَ قَلْبِي حِينَ تَبْسِمُ رِقَّةً
يَجْرِي بِأَوْرِدَةِ الفَتَى الطُّوفَانُ
أَشْتَاقُهَا، وَالشَّوْقُ بَيْنَ جَوَانِحِي
نَارٌ، وَصَبْرِي فِي الهَوَى خُسْرَانُ
لَوْ تَعْلَمُ الحَسْنَاءُ كَيْفَ صَبَابَتِي
لَبَكَى الجَمَالُ، وَهَزَّهُ الإِذْعَانُ
يَا فِتْنَةً لِلْعَالَمِينَ تَصَوَّرَتْ
هَلْ لِلْمُتَيَّمِ فِي يَدَيْكِ أَمَانُ؟
أَمْسَيْتُ صَبّاً فِي هَوَاكِ مُعَذَّباً
يَقْتَاتُ مِنْ عَبَرَاتِيَ النِّسْيَانُ
هَذِي الَّتِي مَلَكَتْ فُؤَادِي، وَالَّتِي
بِوِصَالِهَا يَتَنَعَّمُ الخِلاَّنُ
سَأَظَلُّ أَذْكُرُهَا بِكُلِّ قَصِيْدَةٍ
مَا طَارَ طَيْرٌ أَوْ شَدَا كَرَوَانُ
هِيَ فِتْنَةٌ صِيغَتْ بِكُلِّ مَهَارَةٍ
نَطَقَ الجَمَالُ بِأَنَّهَا العُنْوَانُ
فِي قَلْبِهَا كُلُّ الحَيَاةِ وَعَذْبُهَا
وَبِنَبْضِهَا يَتَنَفَّسُ الوُجْدَانُ
هِيَ رِحْلَتِي، هِيَ وِجْهَتِي، هِيَ مَنْفَيِي
وَبِهَا يَعُودُ لِقَلْبِيَ الأَمَانُ
قَدْ خُطَّ فِي لَوْحِ القُلُوبِ وِدادُهَا
فَكَأَنَّهُ لِلْعَاشِقِ القُرْآنُ
فَعَلَيْكِ مِنْ قَلْبِي السَّلامُ مُؤَبَّداً
مَا حَنَّ لِلأَوْطَانِ مَنْ غَادَرُوا بَانُوا
قَدْ حُزْتِ يَا كُلَّ المُنَى قَلْبِي فَهَلْ
يَكْفِيكِ أَنَّكِ لِلْهَوَى بُسْتَانُ؟