يَا لِقَلْبٍ ذَابَ وَجْداً وَانْبَرَى
حِيْنَ جَاءَتْ مِثْلَ طَيْفٍ فِي الكَرَى
أَقْبَلَتْ وَالكَفُّ مِنْهَا شُعْلَةٌ
تَرْسُمُ الحُزْنَ نَجِيْعاً أَحْمَرَا
قُلْتُ: "يَا حَسْنَاءُ هَلْ هَذَا دَمٌ
أَمْ خِضَابٌ زَانَ كَفّاً سَحَرَا؟"
فَارْنَمَتْ تَشْكُو نَوًى قَدْ هَدَّهَا
بِلِحَاظٍ أَسْبَلَتْ مَاءً جَرَى
قَالَتِ: الرَّحْمَنُ يَدْرِي أَنَّنِي
مَا خَضَبْتُ الكَفَّ لَهْواً وَافْتِرَا
إِنَّمَا لَمَّا نَوَيْتُمْ رِحْلَةً
أَظْلَمَ الكَوْنُ بِعَيْنِي وَازْدَرَى
فَسَكَبْتُ الدَّمْعَ قَانٍ نَازِفاً
حَتَّى سَقَى دَمْعِيَ الغَالِي الثَّرَى
وَمَسَحْتُ الوَجْدَ مِنْ فَوْقِ اللَّحَى
بِبَنَانِي، فَغَدَا لِي مَظْهَرَا
يَا لَهَا مِنْ غَادَةٍ فِي حُسْنِهَا
تَرْهَبُ الأُسْدُ إِذَا الطَّرْفُ بَرَى
شَمْسُ ظُهْرٍ أَشْرَقَتْ مِنْ وَجْهِهَا
تَخْجَلُ الأَقْمَارُ مِنْهَا فِي الوَرَى
خَصْرُهَا غُصْنٌ إِذَا مَا أَقْبَلَتْ
قَامَ سُوقُ العِشْقِ فِينَا وَاشْتَرَى
خَلَقَ اللَّهُ الجَمَالَ لِوَجْهِهَا
فَاصْطَفَاهَا رَبُّ عَرْشٍ قَدْ بَرَا
رِيْحُهَا مِسْكٌ نَدِيٌّ عَابِقٌ
فَاحَ فِي الآفَاقِ لَمَّا أَسْفَرَا
فَغَدَا الكَفُّ نَقِيْشاً نَاطِقاً
بِعَذَابِي، فَانْظُرِ الشَّوْقَ فَرَى
مَا رَأَتْ عَيْنِي جَمَالاً مِثْلَهَا
مُنْذُ أَنْ طَافَ خَيَالِي فِي القُرَى
هِيَ مَنْ تَمْلِكُ رُوحِي، وَالَّتِي
حُبُّهَا فِي عُمْقِ قَلْبِي قَدْ سَرَى
سَأُصِيغُ الشِّعْرَ فِي مِحْرَابِهَا
فَهْيَ آيُ الحُسْنِ فِيمَا سُطِّرَا
كُلُّ مَنْ شَافَ سَنَاهَا مَرَّةً
صَاحَ: هَذَا البَدْرُ حَقّاً نَوَّرَا
لَا تَلُومُوا القَلْبَ فِي دَلَّالِهَا
سَلَبَتْ عَقْلِي بِلَحْظٍ أَبْهَرَا
فَسَلامٌ لِلَّتِي لَمَّا بَكَتْ
صَيَّرَتْ أَدْمُعَهَا مِسْكاً ذَرَا