وضَحُ الحياة ومهبطُ الأدهارِ
صقلتْ جوانبَه يدُ الأعمارِ
تتماوج النسمات في أتّونه
وتعود تلفح جمرةٌ من نار
أبصرته والليل يزحف باسطًا
كفَّ العتيِّ وراية الجبّار
فوقفت أرمقه بطرفٍ خاشعٍ
دامٍ يحنّ لخفقة التذكار
أعملت أفكاري لأسرق كنهه
ورجعت محرومًا من الأفكار
يا بقعةً يشتاقها نعشي إذا
جَنَّ الظلام وعافني سُمّاري
أسري إليها والغموض يلفُّني
بردائه المغمور بالأسرار
فكأنني شبحٌ تَكنَّفَه الأسى
وتناوشَتْه زعازع الأقدار
يمشي الهوينى مثلما تمشي الرؤى
ساهٍ يهدهده النسيم الساري
روحي لها من بقعةٍ خلاّبةٍ
مهدُ الصفاء ومعقلُ الأحرار
كم مرةٍ أرويت دمعي أرضها
وأبَدْتُ فيها ليلتي ونهاري
تاللهِ لولا أن يقال مُلوّثٌ
لجعلتها بيتي ومهد قراري
عجبي لقومٍ ينفرون إذا رأوا
قبرًا يجلِّلُه رداءُ وقار
يرنو إلى الدنيا بطرفٍ ساخرٍ
لا تستبيه بهارج الأفكار
عجبي لهم لا يأنفون حياتهم
في بؤرةٍ مجبولةٍ بالعار
دنيا إذا قلت الجحيمُ أصبْتَها
حمراءَ تزخر بالدم الفوّار
النار تلتهم النفوس وكل ما
تحوي النفوس فريسةً كالنار
والناس أسلابُ الحياة يهزهم
حبُّ الحياة ورغبة الأعمار
الموت يرعبهم كأن حياتهم
بنت الخلود ربيبة الأدهار
لم يعلموا يا ويحهم أن الدُّنا
بيتٌ يقوم على شفيرٍ هار
تتلاطم الأهواء في أرجائه
صخّابةً تجري مع التيّار
والكلُّ لاهٍ في محاسنه وكم
خدعت محاسنُه هدى الأفكار
يا قبرُ يا خِدْنَ الكئيب المجتوى
يا معهد الآلام والأكدار
يا منقذَ الأقوام من آفاتهم
يا مربض التاريخ والأسرار
أهواك رغم الموت يبتلع الرؤى
ويثلُّ عرش الزهر والأنوار
وتروقني منك السكينة إنها
وكرُ الضياء ومبعث الأشعار
لو يدرك الناس الحياةَ جحيمَها
وقفوا أمامك وقفة استعبار
ولقد مررت على القبور أزورها
فوجدتها منثورة الأحجار
من كل قبرٍ دارسٍ عصفت به
ريحُ الفناء وصيحة الأقدار
صورُ الهوان تلوح في أرجائه
محفورةً بالماء والأظفار
أنَّى مشيتَ ترى الخراب مسيطرًا
في كل زاويةٍ وكل جدار
بلدُ السكينة أصبحت وا حسرتي
مأوى الخمول وبؤرة الأقذار
طرح الأنام البَتَّ في إصلاحها
خوفَ المنون وخشية التذكار
أَوَ يسلمون من الردى إن أهملوا
بيت الردى ومحجَّة الأدهار
إني لآنف أن أُقِرَّ بزعمهم
فالعيبُ كلّ العيب في الإقرار
سيقول عني الناس مجنونٌ ولو
عرفوا بما في القبر من أنوار
لَعَنوا إذن هذي الحياة جحيمها
وجميع ما تحويه من أوزار
إني لأثبت سخف من يُطري الدنا
وأمُجُّ ما يأتيه أهل دياري
حبُّ النفوس يجول في أعماقهم
وبلادهم رهن الأسى والنار
الأجنبيُّ يعيش في أرجائها
وابن البلاد يعيش في الأوكار
يا قبرُ لن أنسى العهود وشاهدي
في ما أقول عقيدتي وقراري