ما زلتُ فيكِ ولمْ أزلْ
أهيمُ في الأفياءْ
ما زلتِ أنتِ مثلما
قدْ كنتِ لي
مدينةَ البهاءْ
ما زلتِ يا مدينةَ السلامِ
جميلةً
رائعةً
حمامةً بيضاءْ
ما زلتِ حولَ دجلةٍ
محيطةً
حانيةً
حاميةً
ودجلةٌ رمحٌ عليكِ راقدٌ
وأنتِ يا بغدادَ
رايتُهُ في خافقِ اللواءْ
ما زلتِ أنتِ قطعةً مِنْ شعرٍ
وقطعةً مِنْ نثرٍ
شاعرُها حبيبُها
ناثرُها طبيبُها
حروفُهُ تحبُّها
حتى معاني اللفظِ حينَ تُنظمُ الأسماءْ
في داخلِ الأسماءْ
تعودُ فيكِ كلُّها
مِنْ بائِكِ
لدالِكِ
لكلِّ ياءٍ نسبةٌ
وأنتِ كلُّ ياءْ
ما زلتِ روحَ الشرقِ يا مدينتي
وأنتِ كنتِ روحَهُ
مذْ ألفِ عامٍ قدْ مضتْ
بكلِّ كبرياءْ
ما زلتِ بغدادَ التي
نعشقُها
نحبُّها
نريدُها
نشمُّها
كأعذبِ الهواءْ
ما زلتِ أنتِ في وجودِكِ الجميلِ
مدينةً
تطيبُ في قلوبِنا
برقّةٍ
كرقّةِ الهواءْ
للهِ يا بغدادُ
مرّتْ بكِ الأيّامُ
مرّتْ بكِ الليالي كلُّها
كليلةٍ ليلاءْ
ثمَّ بقيتِ أنتِ بعدَ ما مضى
صبحاً تلا الإصباحَ
في الصبحِ والمساءْ
يا أيُّها المدينةُ الحبيبةُ الخضراءْ
مدينةُ المنصورِ والرشيدِ والهواشمِ الكرامِ
مدينةُ الكاظمِ والنعمانِ والجنيدِ
في
منابرِ البهاءْ
مدينةُ الشعرِ
وأنتِ يا مدينتي
مدينةُ الإنشاءْ
ديوانُ عشقٍ أنتِ يا بغدادُ
يخطُّهُ العشاقُ
ما بينَ عينٍ جفنُها رصافتي
وبينَ كرخِ عينِها الحوراءْ
وبينَ كأسِ دجلةٍ
يفيضُ مِنْ شرابِهِ
شهدٌ بغيرِ ماءْ
للهِ يا مدينتي الأليفةَ البيضاءْ
كقطّةٍ بيضاءْ
مَنْ مرَّ فيكِ لحظةً
مِنْ فوقِ نهرِ دجلةٍ
وشمَّ مِنْ أريجِكِ الندي
جوريّةٌ حمراءْ
لمْ يدرِ ما الأحزانُ والأتراحُ
والجروحُ والإعياءْ
مَنْ ذاقَ بعضَ دجلةٍ
ذاقَ بكلِّ شربةٍ
لآلئاً بيضاءْ
مرجانُها ياقوتُها وتبرُها
كمائِهِ
يروي
مِنَ الرواءْ
للهِ مَنْ فارقَكِ بغدادُ
بكرهِهِ
برعبِهِ
برغبِةٍ
بفقرِهِ
هناكَ في غربتِهِ
في عينِهِ أنتِ الهوى
وعينُهُ دمعاءْ
للهِ مَنْ مالتْ بِهِ ريحُ النوى
يميلُ في ريحِ الصبا
لبائِكِ
لغينِكِ
لدالِكِ
لألفِكِ
لنقطةٍ في الباءْ
يا كلَّ هذا الحبِّ يا مدينتي
وأنتِ كلُّ الحبِّ
هلْ يعرفونَ أنَّهُمْ
في ذبحِهِمْ إيّاكِ
قدْ ذبحوا العراقَ
وأنَّهُمْ في غدرِهِمْ ببابِكِ
قدْ غدروا
غزالةَ العراقِ
في أمنِها
وذبّحوا أبناءَها
أمامَها
وكلٌّهُمْ يعوي بها
وحولَها
خنزيرُهُمْ
وكلبُهُمْ
وذئبُهُمْ
وكلُّ مَنْ جاءَ بهِمْ
مِنْ عقربٍ
وحيّةٍ ملساءْ
بأقبحِ العواءْ
كمثلِ جرذانِ السفينِ مزّقتْ
سفينَها
مِنْ تحتِها
والكلُّ وسطَ الماءْ
للهِ يا بغدادُ
لمّا يزلْ منكِ الهوى
بِكِ الهوى
وأنتِ أنتِ يا بغدادَنا
كلُّ الهوى
مدينتي الجميلةُ
الحسناءْ
مرّتْ بِكِ الغزاةُ في دروبِها
بخيلِها ورجلِها
بغدرِها ومكرِها
لكنَّكِ كنتِ التي تبقى على مرورِهِمْ
ويذهبونَ
ريحُهُمْ هباءْ
وغزوُهُمْ هباءْ
وفعلُهُمْ هباءْ
ودجلةٌ تبقى بِكِ
جسورُهُ كالوردِ فوقَ الماءْ
تبقينَ يا بغدادُ
لؤلؤةً
كدرّةٍ يتيمةٍ
بوسطِ كلِّ هجمةٍ صفراءْ
بمرِّ كلِّ عاصفٍ
رياحُهُ غبراءْ
وأنتِ يا بغدادُ
كالدرّةِ البيضاءْ.