باتت تحدّثني بملْءِ لسانِها
ذكرى الشبيبةِ وهي في ريعانِها
يا ميعةً ما ظلّلتْ حتى خلتْ
تستعجل الركبانَ في أظعانها
صوّرتُها في خاطري وجلوتُها
في ناظري بزمانها ومكانها
وغدوتُ مرتكضًا على أطرافها
ويدايَ تُرخي الفضلَ من أرسانها
وأقصّ من أخبارها ما تشتهي
ويُدار مثلُ السحرِ في آذانها
لم تبقَ منكَ اليومَ غيرُ بقيّةٍ
محمودةٍ قاربتَ من فقدانها
ذهب الصِّبا إلا بقايا لم أزل
أسقي وأُسقى من رحيق دِنانها
كابدتُ فيها الشوقَ لا يأوي إلى
رمضائِها ويطوف في نيرانها
شوقٌ هززتُ به اليراعةَ في الصِّبا
فسقيتُه من مائها ولبانها
أحييتُ بالآداب قلبًا لم يزل
يُحيي من الآداب سحرَ بيانها
يُمسي ويُصبح في الأصائل والضحى
يستخرج المكنونَ من عِقيانها
عربيّةٌ بدويّةٌ حضريّةٌ
في محض جوهرها وفي ألوانها
وتظلّ ما سَرَتِ العصورُ وما جرتْ
تحيا زمانًا لم يكن بزمانها
لا تكتمنَّ لواعجًا ملْءَ الحشا
فالشرُّ كلُّ الشرِّ في كتمانها
وتغنَّ بالآلام لا تُصبحْ على
شجنٍ - لعَمرُ اللهِ - من أشجانها
كالطير تصدح في الغصون وربما
كانت تصبُّ الدمعَ من أجفانها
ما زلتُ أُفصح عن هوايَ فصاحةً
في «قُسّها» تُزري وفي «سَحبانها»
بقصائدٍ خلاّبةٍ جذّابةٍ
مثل القلائدِ في صدور حسانها
عزّتْ حقيقتُها على طلاّبها
عزَّ الكواكبِ في علوّ مكانها
إني ابنُ بَجْدتها وصاحبُ نجدها
وحجازها وعراقها ويمانها
كلٌّ لديه من الصبابة جذوةٌ
لا يصطلي بسوى لظى نيرانها
يستخرج اللذَّاتِ من آلامها
ويشاهد الأفراح في أحزانها
وتراه لا يروي بغير لسانها
يومًا ولا يهوى بغير سنانها
ملكت عليه لسانَه وجَنَانَه
متقوّمًا بلسانها وجنانها
وغدا بها من غير شِعرٍ شاعرًا
يولي القريحة من فنون بيانها
وتراه يخرج بالمعاني حرّةً
لا في قوافيها ولا أوزانها