قد هام مَنْ مدحَ الدمى ليقولا
في مدحها ما تشتهي معسولا
مدحٌ يدغدغُ في المشاعر زيفه
ويجيدُ في مدح القذى تضليلا
مدحٌ يقابله الكريمُ تجاهلاً
ويغيضُ جهراً رُضّعاً وكهولا
يترنّحون بمدحهم لمناصب
حُمرٍ يجاملها الذليلُ جفيلا
وقفوا على الأبواب محملهم غدا
لغة الكلام لينشدوا التبديلا
وقفوا ليقتاتوا الفتات وحالهم
كاللاهثين وما جَنوا مأمولا
باعوا مواهبهم سدىً وحياءهم
بدراهمٍ مُنحت لهم تبديلا
مدحوا الترابَ وللرميم مصيره
لا حول فيه إنْ مَسَى معلولا
أهلُ الكروش ومادحوهم والقرى
كلٌّ تراه للثرى محمولا
حسبوا لأنفسهم مجالسَ عزةٍ
في شعرهم وعلوا بها التفضيلا
فإذا بهم للشابعين تذللوا
ولمدحهم جعلوا القبيحَ جميلا
مدحوا الوريقةَ والخريف يزفّها
من كونها من فارع تنزيلا
ما قيمة الأنساب عند تفاضلٍ
لا ينفعُ النسبُ الشريفُ سليلا
لا تنفعُ القربى غداً أو ها هنا
حتى وإنْ كان القريبُ رسولا
لن ينقذ الإنسانَ يوم حسابه
مالٌ، ولا نسبٌ يفيدُ خليلا
تقوى النفوس إذا ملكنا وسعه
سيكون في يوم الحساب كفيلا
داروا بألفاظ بصوت منافقٍ
وجميل شعر يحسنُ التأويلا
وقفوا طوابيرا أمام قصورهم
متأمّلين لظالم تقبيلا
هاموا بمدحٍ لا أساس لصدقه
هل يسعفون بقولهم مسلولا؟
تبّتْ حناجرهم فكيف تصوّروا
بالضاد زورا ظلمةً قنديلا
يتبجّحون بلا حياءٍ ويحهم
وسلاحهم كذبٌ يذيعُ هديلا
يا شاعرَ الطاغوت نظمك ساذجٌ
قد صغت حرفك للفتات عجولا
ماذا تقول أمام ربك جاثيا
عن قول شعر يحسن التمثيلا
يأبى الشريف بأن يكون منافقا
يأبى التقيّ بأن يكون رذيلا
فلِم المديحُ وما مدحتم أنّما
بشرٌ يمنّي في الردى التأجيلا
يتشابهون إذا القبور ترصّهم
تحت الثرى وتريهمُ التهويلا
بالأمس ملبسه الحرير وخاتمٌ
واليوم يحضنه الترابُ بديلا
بالأمس حفّته الرجالُ وخيلُهم
واليوم يسلبه الثرى التجميلا
العزُّ بالتقوى وليس مناصبًا
تزهي القبيحَ وترفعُ المذلولا
لن يسدل الشمسَ العظيم ضياؤها
شمعُ التملّق أو يضيء ظلولا
نفسُ الكريم وإنْ تمُت لمكارمٍ
لا ترتجي مدحاً ولا تهليلا
قيمُ المروءة كالغمام بفصلها
ما زادها مدح الغلاة هطولا
ليس المديح تبرّجٌ لمنافقٍ
جابَ القصورَ مرائيا ودخيلا
المدحُ إطراءٌ وتذكيرٌ بمن
ملأ الحياة فضائلاً وحقولا
مَنْ يستحقّ المدحَ غير مُحمدٍ؟
والسائرين بدربه تقتيلا
من يستحقُ المدحُ غير أئمّةٍ
أهل الكساء مناقبًا وأصولا
لا ينحني أهل الصلاح لنزوة
في شعرهم أو يركبوا التضليلا
أسفي لنجم شامخ ملأ السما
يكبو ويقرعُ للظلام طبولا
ماذا أجادوا والمصالح شعرهم
نطقوا فكانوا للفتات خيولا
صاحوا فطال ضجيجهم فوق الصدى
كغمام صيف شحة وظلولا
الملك والدينار كان مرادهم
فأقام فيهم ذلة وخذولا
هذا أميرٌ ذاك شاعر يعربٍ
كلّ غدا في التسميات كميلا
هتفت تجاملهم حناجر من رأوا
في شعرهم قولا يجيب ميولا
قالوا وما فعلوا كأنّ لسانهم
كالببغاء وما وعوا تحليلا
ما يتبع الشعراءَ إلا جاهلٌ
تبع السراب وعايش المجهولا
عجبي يبّجَل في المحافل شاعرٌ
عاش التملق والنفاق وصولا
أو عاش يعزف للنساء مراوغًا
وأجاد في عوراتها تفصيلا
ذكرٌ لتجّار الكلام فحرفنا
يبقى بثغر الزاهدين جليلا
وفخارنا تقوى الكريم وديننا
وعظيمُ فعلٍ جاوز التبجيلا
للعابثين بشعرهم وبنهجهم
فالضادُ تأبى أنْ تجيب هزيلا
عجبت لوقفتهم حروفُ لساننا
كيف الوضيع يصوّرون نبيلا
كيف القصائدُ تُستذلُّ كسلعةٍ
للطامعين وأن تكون زبيلا
ما أنجبت لغة الكتاب أذلة
بل أنجبت للعالمين فحولا
ما زين الشعراء حرف كتابنا
بل زادهم فوق النجوم نزولا
عجبي لقد باعوا الخلود بزائل
فتوهّموا فوق الصليل نخيلا
الشعر مثل الطب أمسى مهنة
وطريق إثراء أذل ذليلا
الشعر موهبةً ونعمةُ واهب
يعلو النجوم مكانةً ومثولا
الشعر تعليم وحكمة ملهمٍ
يصل النفوس فتنهم الموصولا
الشعرُ منبعه الشعور وإنّه
صوتُ الجمال مفصلا وأصيلا
الشعر من فيهِ التقاة هداية
عرف الجليل وأحسن الترتيلا