في رحيله الأبديّ بوطنٍ مختلفٍ لا يبصق في وجهه ولا
يطرده عن موائده إن خرج في شدوه الشِّعريّ عن
المألوف والمعلَّب رافضًا تسجيل اسمه في كتاب الموتى
لماذا هنا الشّعراءُ يموتونَ كالغرباءِ؟
بلا صخبٍ يرحلونَ
ولا كاهنٌ يجعلُ الصّوتَ نايًا جميلًا يصلّي عليهم صلاةَ الرّحيلِ
ويتلو بحُبٍّ مزاميرَ ما كتبوا
وهم مَن أزالوا تماثيلَ صمتٍ أقيمت بأوطانِنا
وبهم بالغيوثِ همتْ سُحُبُ
وهم مَن أعادوا إلى البحرِ شطآنَهُ
وإلى الرّيحِ أنفاسَها
وإلى الأرضِ أحشاءَها
وإلى الخيلِ فرسانَها
وإلى الضّوءِ إشعاعَهُ
وبسيفِ رؤاهم أُميتَ بنا العَطَبُ
لماذا نرى الشّعراءَ يُعرَّونَ مِنْ ثوبِهم
وينامونَ جوعى
وخبزُ الحياةِ بهم صارَ أشهى وأنقى
وكيف بلا خمرةٍ يسهرونَ
وهم مِنْ خمورِ الجَمالِ لنا سَكبوا؟
لماذا يقاسونَ وخْزَ المنافي
ويمشونَ فوق ترابٍ غريبٍ يقبِّلُ خطوتَهم
وترابُ بلادِهمُ لا يطيقُ خُطاهم ويخنقُ أعشابَ بهجتِهم
ويحطِّمُ رقصتَهم
ولهم تُحرَقُ الكتبُ؟
لماذا يدُ الشّعراءِ تقطَّعُ إنْ داعبتْ قلمًا
أوبنَتْ هرَمًا
ولماذا الطّغاةُ على العرشِ يسطونَ
والطّيباتِ ينالونَ
والأغنياتُ لهم
وحدائقَنا خرَّبوا؟
وكيف رُبى الشّعراءِ تشيخُ وتبلى وتُملَأُ قيئًا وشوكًا ودودًا
وتُنسى حكاياتُهم
ويُصلَّبُ جثمانُهم
آهِ
ما السّببُ
وإلى أيِّ أرضٍ لهم هرَبُ؟