ليس العليلُ فقطْ بالداءِ مَنْ فُجعا
فربّ داءٍ خفى لم يُظهرِ الوجَعا
البعضُ يدركُ مِنْ شكواه علّته
والبعضُ يجهلُ أنّ الداءَ قد وقعا
الناسُ مرضى وإن صَحّت مظاهرُهم
تقسو السقامُ بهم خِفْيا ومتّسعا
ترى العبادَ بأحلى صورةٍ خرجوا
ويكتمون البلا والهمّ والجزعا
تبقى النفوس بما تهوى معلقةً
حبّ الحياة ولو تقسو بنا طُبعا
مثلُ الفقاعةِ دنيانا ونتبُعها
عبرَ الأثيرِ بإعصارٍ لها رَفعا
فإن مسكنا توارتْ عن أصابعِنا
وإن تبعنا طوانا العصفُ وابتلعا
الناسُ تخدمها والأجرُ يُسحرهم
ككلبِ صيدٍ شقى بالعظمِ قد خُدعا
النفس تلهو وطيْبُ الحالِ يُشغلها
والقلبُ صخرٌ عن الآثام ما ارتدعا
في مأمنِ العيشِ رجُّ القلبُ من فزعٍ
كإنّه من حصونِ الصدرِ قد نُزعا
كالنسرِ ضاقتْ به الدنيا بما رحبتْ
كإنّها قفصٌ للفقْس ما اتسِعا
قضبانه من همومِ الروح قائمةٌ
والليلُ وحشٌ به والفجرُ ما طلعا
دائي عضالٌ وبالآلامِ قد صَلدَا
وفوقها اليأسَ والأحزانَ قد جمعا
قد أوهمَ الضرّ أنّ الموت أدركني
فعشتُ ليلي وظهري باكيًا وجِعا
رغم السقامِ وضيقِ العيشِ من صغرٍ
لم أحْتملْ مثله سُقْمًا ولا قرعا
ما كان يحسبُ يومًا أن يُصاب بما
للروحِ ينزعُ من أحشائِها تبعا
مودّعًا عشتُ بالأوجاع مملكتي
وكنتُ فيها بطولِ العمر مُقتنعا
به استفقتُ كأنّ الفجر أيقظني
ففي الجوارح نورُ الله قد سطعا
نورٌ يقرّبني لله في وهجٍ
به ضبابُ الهوى عن مبصري انقشعا
بالنور خوفي غدا أمناً وإن صعُبت
حتّى استحال لنبض القلب مرتبعا
من بعد يأسٍ بوحشٍ والأسى ألمٌ
لله طال الدعا أنُسَا وما انقطعا
حتّى علا في سماء الكون صوتُ رحَىً
للقلبِ تطحنُ لكن بالرجا صدعا
منْ مُرِّ صبري ومنْ طولِ الدعاءِ نما
بذرُ الشفاءِ بأوجاعي وقد ينعا
بكيت في العسر لا شكوىً ولا جزعا
فجرحُ قلبي لغير الله ما دمعا
بالأفق أرسم ألوان الرجاء فمًا
لله نادى ولطفا بالقضاءِ دعا
فاقَ التحمّلَ دائي والفؤادُ لذا
بالله لاذ وفي أفضاله طمعا
طال الدعاء وبحّ الصوت مرتجيًا
أنّ الرحيم أنينَ الروحِ قد سمعا
من حسن ظنّي بمن يُعطي بلا طلبٍ
أيقنتُ أنّ عظيمَ الضرّ قد دفعا
السقم مات بنفسي دونما أثرٍ
وبالحفيظِ إلى والأوصال ما رجعا