عبقتْ بعطر مديحِكَ الأشعارُ
وشدَتْ برمْز فخارِكَ الأعصارُ
وتنسَّم التاريخ ذكرَكَ نسمةً
يسبي الوجودَ أريجُها المِعْطار
ذكراك في سِفْرِ الخليقة صفحةٌ
للمجد طابعُها عُلاً وفخار
العرشُ أنت نسيبُه وقريبُه
واللهُ ذو علمٍ بمن يختار
والنُّبل أنت الصوتُ منهُ والصَّدَى
واللحنُ والترجيعُ والقيثار
غشَّى الظلامُ سماءَ مكةَ برهةً
طالت مدًى فكأنها أدهار
الليل داجٍ والسماء مريضةٌ
شحبَتْ بها الأضواء والأنوار
والجاهليَّة في ظلامٍ دامس
لم يَمْحُ جانبَه البهيمَ نهار
حول الحسانِ يحوم فتيانُ الحِمى
وعلى القِداحِ يُراهن الأيْسار
والشركُ والاصنام آسِرةُ النُّهى
والخمر والنُّدماءُ والسُّمّار
واذا بصوتٍ هزَّ أرجاء الفضا
أصغَت لوقع جلالِه الأقطار
فتلفَّت الحكماء في تهويمهةٍ
وتساءل الكهّانُ والأحبار
من أين هذا النجمُ لاح ولم يكنْ
في الأرض يُعرَفُ للنجوم مدار؟
فأجابهم صوتُ العناية إنه
روحُ السماء وسرُّها الجبّار
نجمٌ مطالعُه اليقينُ وبُرْجُه
أوْجُ العلا والعدلُ والإيثار
لك يا محمدُ في البطولة سيرةٌ
يقف الزمانُ وذكرُها سيّار
ما كنت سفّاحًا ولم تك والِغًا
بدم الشعوب يهزُّكَ اسْتِهتار
لكنْ رفيقًا بالنفوس تصونُها
عن أن يعيثَ بحقِّها قَهّار
لله يومَ «حُنَينَ» وقفتُك التي
هي فوق إكليل البطولة غار
سمعتْ قريشُ نداء صوتِكَ فالتَوَتْ
عُوجَ الرقاب وزاغتِ الأبصار
غضبت شبيبتُها وغِيظَ شيوخُها
وتلمَّظوا حنقًا عليك وثاروا
نَهدُوا إليك بِقضِّهم وقَضيضِهم
وبكلِّ قلبٍ حرقةٌ وسُعار
جاءوك في جيشٍ لجيبٍ مثلما
يغشى الدجى ويزمجرُ الزَّخّار
ولقيتَهم بأقلَّ منه وإنما
سارتْ وراء رِكابِكَ الأقدار
وجمعتَ في «أُحُدَ» البطولةَ كلَّها
في حين حَظُّ الغانمين فِرار
لما تجهَّمتِ الوغى وتشابكتْ
بيضُ الصوارم والقنا الخطّار
وتَلاحَمَ الجمعان هذا مؤمنٌ
حرٌّ وذاك بربِّه كفّار
نزلتْ بجيشكَ محنةٌ ظهرت بها
نِعَمُ الإله وبطشُه القهّار
لما تنادَى المشركون محمدٌ
أودَى وطاح برأسِه البَتّار
فهناك رِيعَ المسلمون وزُلزلوا
وانهدَّ ركن ثباتهم فانهاروا
وتراجعوا مُتقهْقِرين كأنهم
سُحُبٌ يبدِّد شملَها إعصار
فوقفتَ وحدَكَ ثابتًا ومثبِّتًا
والجوُّ أكدرُ والغبار مُثار
وعلى مخايلِكَ الثباتُ مجسَّمٌ
وعلى جبينك هيبةٌ ووقار
حتى كسبتَ النصر وانكسر العِدا
وانشقَّ ذاك الجَحْفلُ الجرّار
والحقُّ في نهج السلامة سائر
مهما تُحِطْ بدُعاتِه الأخطار
والشرُّ مكبوحُ الشكيمةِ أعزلٌ
مهما تكاثرَ حولَه الأنصارُ
والحرب إن قامت لتحميَ باطلاً
فالخزيُ حظُّ مقيمِها والعار
والنصر إن لم ترتفعْ أعلامُه
للعدلْ فهو هزيمةٌ وخَسار