ولّما دجى ليلٌ وسارتْ رواحلُ
ولفّتنيَ الظلماء والنجمُ آفل
مشيتُ ولي عقلٌ يضجُّ بما بهِ
ثقيلٌ على قلبي وبالدرب جاهلُ
تعثّرتُ في دنيا من الهمِّ والأسى
ولي خافقٌ ممّا يعانيه ذاهلُ
وعقلٌ يرى الأشياء مثلَ نقيضها
فهذا الدجى نورٌ وذا الحقُّ باطلُ
ولولا وجود العقل ما شقيَ امرؤُ
ولولا أنين القلب ما هانَ واجلُ
بلى يا فؤادي إنّك اليومَ مُتعبٌ
وللهمِّ والأحزان فيك منازلُ
لقد ضاقتْ الدنيا عليك وأظلمتْ
وراعتكَ أهوالٌ بها وغوائلُ
فخذني إلى دنيا ستمنحك المدى
وروحاً على آفاقه يتمايلُ
سأهربُ من يومي وأرحلُ في غدي
إذا داعبَتْ كأسَ الضياء الأناملُ
شربتُ سناها إذ تسابق خيلها
بأوردتي مستنفراتٌ صواهلُ
فلمّا بلغنَ العقلَ فرَّ ولمْ يَزَلْ
بأدنى زوايا وعيهِ يتضاءلُ
ولمّا بلغنَ القلبَ فاض حنينهُ
وغنّتْ له رغمَ الضجيج بلابلُ
وبالليل في بغداد أبحرتُ بعدما
رَوَتْ أرضيَ الجدباء واخضرَّ قاحلُ
نظرتُ إلى الأشياء حتى رأيتها
تراقصُ فاستيقنتُ أنّيَ ثاملُ
وأبصرتُ ما لا أبصَرَتْ صحوتي بها
وأمسيت عن تصخابها أتساءلُ
فما كلُّ تصخابٍ على الدهر غالبٌ
ولا كلُّ تهريجٍ إلى الجدِّ آيلُ
سئمتُ ظلامَ الدهر والظلمَ والردى
وصخباً به بغدادُ ضجّتْ وبابلُ
تغافيتُ في ليل الضجيج لعلّني
سأصحو إذا ما بانَ للفجر حاملُ
ولمْ تكُ إلا غفوة مستفيقة
بها عصفتْ ريح الردى والقنابلُ
سأغفو وتحييني من الموت صرخةُ
ويدمي ضريح الروح قومٌ أراذلُ
كوابيسهم تترى فلا النوم سانحٌ
ولا الصحو محييني ولا الموت فاعلُ
كرهتكِ يا دنيا فكفّي أو اذهبي
لتذهبَ عنّي للجحيم المهازلُ
دعيني وما جدوى وجودي بذلّةٍ
وعمرٌ به عاث الطغاة الأسافلُ
زمانٌ مضى إذ كانت النفس حرَّة
لها صوت حرٍّ بالكرامة رافلُ
ألا كم دجى ليلٌ على الكون مطبقٌ
وكم ديس تاريخٌ وكم ساد جاهلُ
فدوّى دويّ الحرب فينا ولم يزلْ
من الدم فينا بل من الموت وابلُ
تدور رحاها والدماء سوائلٌ
على جانبيها والنفوس رواحلُ
تمزّقت الأرواح واختنق السنا
وهُدَّتْ عواليها وشيدتْ معاقلُ
أمجزرة الأرواح ما فيكِ عاقلٌ
وهلْ عادَ من هول المنيّةِ عاقلُ؟
سنينٌ مَضتْ والحرب تلقي وبالها
وفي الأرض من وقع المنايا زلازلُ
سنينٌ مضت لم يبرح الليل أرضنا؟
ولا غرّدتْ فوق الغصون البلابلُ
ولا أشرقتْ أنوار حقلٍ من الندى
ولا رقرقتْ بالماء فيه الجداولُ
بل الليلُ والآهات والهمُّ والأسى
ودمعٌ على مجرى الفراتين هاملُ
ظلالُ الأُ لى سادوا تسود كأنّها
سحاباتُ موتٍ بالدماء هواطلُ
بلادي وإن طال الظلام وإن طغى
فلا تيأسي إنَّ المدى يتكاملُ
طغاةُ لهم يومٌ وللشعب يومه
وللحق قولٌ ثمَّ للقول فاعلُ
غداً يستفيق الدهر ناراً وجنة
وتصنع فجر الإنعتاق جحافلُ
غداً سوف نحياها ولابدَّ من غدٍ
تُضيء به ليلَ الديار المشاعلُ
ولابدَّ أن تنهار أسطورة الردى
وتنعم بالعيش الكريم المنازلُ
بريق السنا آتٍ وللفجر موعدٌ
سيأتي فتزهو بالضفاف السنابلُ