يَا سَرَاباً حَسِبْتُهُ نَبعَ مَاءِ
نَحوَهُ سَارَت فِي الهَجِيرِ ظِبَائِي
كُلَّمَا سِرنَ خُطوَتَينِ إِلَيهِ
عُدنَ عَشراً مِن .. بُعدِهِ .. لِلوَراءِ
خَادِعٌ أَنتَ، كَم مَدَدتَ بِسَاطاً
أَبصَرَتْهُ اللُّجَينَ عَينُ الرَّائِي
سَاحِرٌ أَنتَ، كَم أَسَرتَ عُيُوناً
بِبَرِيقٍ مِن جَفنِكَ الوَضَّاءِ
كَاذِبٌ أنتَ، كَم وعدتَ بِسُقيَا
تَرتَوِي مِن فُيُوضِها صَحرائِي
فَغَدَت مِن جَدبِ الوُعُودِ قِفَاراً
و فُؤَادِي مِن حَرِّها فِي عَنَاءِ
يا سَرَاباً: هَل كُنتَ بَعضَ حَبِيبِي
و حَبِيبِي هَل كَانَ كُلَّ شَقَائِي؟
أَنتُمَا الوَهمُ، أَم أَنَا؟ لَستُ أَدرِي
قَد تَوَارَت حَقِيقَةُ الأَشيَاءِ
وتَلاشَى فِي نَاظَرِيَّ رَبِيعٌ
كَانَ أُنسِي .. فِي وَحشَتِي .. وضِيَائِي
حَطَّمَت غُصنَهُ يَمِينُ خَرِيفٍ
و هَوَت فَوقَهُ شِمالُ شِتَاءِ
فَذَوَى الغُصنُ، والطُّيُورُ تَهَاوَت
و جَفَاهَا شَدوٌ، ورَجعُ غِنَاءِ
صِرتُ أَحيَا فِي غُربَتَيَّ وَحِيداً
لَيسَ لِي غَيْرُ الشِّعرِ مِن أَصدِقَاءِ
وطُيُوفٍ مَرَّت أَمَامِي وذِكرَى
كُنتَ فِيهَا كَالصُّبحِ حُلوَ الرُّوَاءِ
كُنتَ نِيلاً يَجرِي بِكُلِّ عُرُوقِي
و فُرَاتاً عَذباً سَرَى فِي دِمَائِي
كُنتَ دِفءَ الشُّمُوسِ فِي بَردِ لَيلِي
و ضِيَاءَ البُدُورِ فِي ظَلمَائِي
كُنتَ حُلماً، يَا لَيتَهُ دَامَ عُمراً
كُنتَ مَهدِي، واليَاسَمِينُ غِطَائِي
يَا حَبِيبِي: وأَنتَ مِن نَبتِ قَلبي
كَيفَ عُلِّمتَ كُلَّ هَذَا الجَفَاءِ؟
كَيفَ أَصبَحتَ فِي الجَوَانِحِ جُرحاً
بَعدَمَا كُنتَ بَلسَمِي ودَوَائِي؟
ليتَ شعري، أتستحيلُ ورودي
شوكةً في حلقي وفي أحشائي؟
لَم أَزَل مِن أَمرِ الهَوَى فِي ذُهُولٍ
و السُّؤَالاتُ دَاخِلِي فِي اْصطِلاءِ
هَل بَنَى القَلبُ بِالغَرَامِ قُصُوراً
هَشَّةَ الأُسِّ، مَائِلاتِ البِنَاءِ؟
فَتَدَاعَت فَوقَ الرُّؤُوسِ لَيَالٍ
كَم قَطَعنَا سُكُونَهَا بِلِقَاءِ
كَم تَمَنَّيتَ مِثلَمَا أَتَمَنَى
و الأَمَانيُّ رَوضَةُ الشُّعَراءِ
كَم حَلَمنَا والحُلمُ طِفلٌ بَرِيءٌ
بِالأرَاجِيحِ فِي رُبَا الجَوزَاءِ
بِالفَرَاشَاتِ تَستَبِيهَا مُرُوجٌ
و خُطَانَا مِن خَلفِهَا فِي خَفَاءِ
بِسَلامٍ يَعُمُّ أَرضَ المَنَايَا
و بِعَيشٍ مُنَعَّمٍ ورَخَاءِ
فَأَفَقنَا عَلَى حُطَامِ مَنَامٍ
و سَرَابٍ وأَدمُعٍ وبُكَاءِ
وعَلَى وَاقِعٍ يُمَزِّقُ حُلماً
و يُذِيقُ المُنَى كُؤُوسَ الفَنَاءِ
فَافتَرَقنَا، وفِي الصَّحَائِفِ ذِكرَى
و مَضَينَا فِي الدَّربِ كَالغُرَبَاءِ