فقدنا كلّ شيء في الحصار
فقدنا الصّدق في إحساسنا الماضي
فقدنا الأمس والغد في نزيف الصمت والنّار
فقدنا آلة التّصوير في نزق الغرام
وضيّعنا الحقيقة في عناد الانتظار
وفي سِفْر التّسالي بين أصداف الفرار
وها أنّا تفارقنا
لعلّي لم أكن إلاّ خيالا بين أجفان النّهار
وحين أتى المساء تلقَّفَتْني غفوة الأنوار..
أقفر خاطر الأيّام من طيفي الغريب
لعلّي كنت... أو ما كنت يوما
غير منتجع لصبوات الزّمان
لصبوة خافق فقد الأمان
وحين أتاه ميناء الأمان
تناسى مهد هذا القلب بين أسى ونار
تبرّأ من فؤادي بعد آن أرداه في جفن اللّهيب
يفتّش عن بقايا من بقاياه
وعن وعد كذوب
ويحفر عن بقيّة اسمه المغبرّ في تلّ الدّوار
ويقضم إصبع النّدم
لأنّي نسيت حدود أحلامي
وصدّقت السّراب
فإنّي أستحقّ الموت في بيداء آلامي
وفوق صفائح الأحزان رميا بالعذاب
لأنّي قد ركعت لرغبة القلب
أصلّي في حمى الأشواق باسم العشق
وأتلو آية الإكبار والحبّ
فإنّي أستحقّ الموت رجما بالخيانه
وطعنا في شعوري الخداع
وبالغدر المسمّم بالضّياع
لأنّي لم أعمّد خافقي منك
ومن جرحى الأمانيّ الكِذاب
لأنّي في الهوى ما كنت نُصْبا ذا قناع
فقد سبق التئام الجرح تجريح جديد
وخنجر غلطة أعمى
توارى في غيابة مهجتي حتّى الوريد
سأغسل منك أحزاني وآمالي
سأغسل آلة التّصوير والكتب
وذاكرتي وأشرطة الكَسَاتِ وكلّ أسفاري
سأغسل مهجتي من حبّها البالي
وأكسر كلّ أوثاني
وأحرق سِفْر تكويني وسِفْر خروج قلبي
طريدا في مساء الانهيار
سأُحرقني إذا أنا لم يمت حبّي
وإن لم ينعتق قلبي من الحبّ
من الأشواق والأشجان والتّعب
سأُحرقني... سأُحرقني
لأجلك سوف أحرقني
وإنّي صرتُ يبلعني السّراب
وقد أصبحتِ يبلعك الغياب
ويلفظني النّهار وشهقةَ النّور الصّريع
فأسقط فوق تلّ الاكتئاب
ويرجمني لظى الألم
برعد من أعاصير الدّموع
وأنت هناك يبلعُك الغياب
وأطلب أن أراك فلا يُردّ لي الجواب
دعينا من عبارات العتاب
وقولي..! لا تقولي..! كلّ شيء قد تجلّى
يفرّقنا الّذي قد كان يجمعنا:
الحبّ والأشواق والإخلاص والقدر
غدا أمشي على وجهي العنيد
ويفقدني النّهار إذا أتاني
ويفقدني المدى قبل الأوان
لأنّي لن أعيد الموت موتي مرّة أخرى
ولن أئد الفؤاد الياسمينيَّ الوليد
لأنّي قد كرهت الصّفح والصبرا
وعفت الظّنّ والكبرا
أنا لن أفاوض من جديد
فلم يتبقّ في قلبي من الصبر المزيد
رحلتُ فمن سيزرع شمسه في مقلتيك
ويسقيك الهوى شِعرا ونورا
ويهديك ارتعاشة قلبه ما بين كفّيك
ويهديك انتفاضة روحه بين الأعاصير
رحلتُ وخلف ظهري وزر أعوام من الحبّ
وخمس قصائدٍ قد ضاق عنها قبو أحزاني
رحلتُ فأين تحملني خطاي على قفا دربي؟
رحلتُ مفتّشا عن حائط المبكى
لأسند هامتي في ظلّه من عبء وجداني
ومن تهويمتي العجفاء في صحراء حرماني
أسافر باحثا عن هيكل السّلوى
لأهدي ربّ أشجاني
تسابيحي وإنجيلي وقرباني
ومحرقة هي القلب المؤجّج في السّعير
ليمنحني وقلبي صكّ نسيان
سأرحل عن حمى وطني
وأهجر مهد أمجادي
وقلبا كنت أعشقه ويعشقني
سأرحل حيث لا حيث
فلا أمس ولا ماض يطاردني
ولا آت ولا مستقبل رثّ
ولا أرض ولا عرض يلطّخني
ولا جسم الهوى الغثّ
يجوّع خافقي باسم الهوى والشوق والأمل
فلا الأشواق من ديني
ولا الأحزان من سُنني
سأرحل عنك مصحوبا بهاويتي
فإنّك لستِ من أرضي ولا قلبي ولا زمني
سأرحل حيث لا حيث
فخلّيني أمرّا
دعيني وارتحالي وانتحاري
وخلّي لي انكساري القاتل المُرّا
غدا أُلقِي عباءة رحلتي الحرّى
وأُلْقَى صفحة عذراء في نهر الخلود
غدا أُلقي ذراعي في عناق الانتصار
وأكسر باب حزني وانكساري
غدا أمشي وتمشينا
وقد نلتقي أو لا نلتقي يوما
ولكن لن أكون كما تحبّينا
لأنّي لن أعيد الموت موتي مرّة أخرى
لأنّي كرهت الصّفح والصّبرا
لأنّي لن أفاوض من جديد
لأجل سحابة أمطارها نار
دعيني وارتحالي وانعتاقي
لأنّي لن أعيش فراشة تهوى اللّهيب
وتعبده ويحرقها
ألملم ما تبقّى من شتاتي
وأُسرِجُ هامتي إرمًا وسترة عشتروت
وأُسْلِم للمدى خطوي
وقلبي للأماني الآتيات
وعرسٍ لا يفوت
وأسكب رغوة النّسيان في روحي
فإنّي طالما بتراب حبّك كنت قد عفّرت قلبي
أُحِلُّكِ من مواثيقي
وأمضي في سراديب الغياب
وأغيب حين أغيب في لمْح الحياة.