ويمرُّ حشدُ العابرين..
يمرُّ حشدُ العابرين
فعلامَ تجهش بالبكاء؟
هي خطوةٌ أولى، وبشرى بالولادة والضياء
والناس حولك يضحكون يعربدون
وصدى غناء..
فعلامَ تجهش بالبكاء؟
سيمرُّ حشد العابرين
وتغيب أشرعة السنين
وتظلُّ وحدك جاثياً خلف المساء
فعلامَ تجهش بالبكاء؟
أنا ما بكيت من الضياء
وبكيت من ليل يغصُّ به الضياء
بؤَرُ الظلام تسود في أفق تغلّفه الظنونْ
والعابرون العابرون.. إلى الفناء.!
يتسابقون ويلهثون
وتدوسهمْ أقدامهم.. يتألّمون
أنا ما بكيت من الضياء
وبكيت من قصر الذراع..
فكيف أحتضن المدى
وأجزُّ ناصية الردى.!
وأكون فيها مثلما آثرت فيها أن أكون
أنا ما بكيت من الضياء..
وبكيت إذ أبصرت في أفق الظنون
ليلا تلطّخه الدماء.!
الأول:
قُلْ ما تشاء..
قُلْ إنهم يتسابقون إلى الفناء
ولتستبد بك الشجونْ
إن كنت تأبى أن تكون
يا أيها الباكي ستسلك ذلك الدرب الوحيدْ
قدرٌ عليك رضيت ذلك أم أبيتْ
أفإنْ بكيتْ؟
ستحيدُ عن ذاك الطريقْ؟
لا.. لن تحيدْ.!
هي خطوة أولى، فأطبقْ مقلتيك عن الظلامْ
واحمل فؤادك في يديك فإنَّ دربك من حديدْ
وغدا تنامْ.. غدا تنامْ
في ذلك الأفق البعيدْ.!
الثاني:
وسلكتُ دربَ العابرينْ..
متعثّرَ الخطوات أمشي بين أروقةِ السنين
وعلى الطريق رأيتُ أشباحا حيارى بائسين
ورأيت نفسي بينهم أغفو فأحلمُ
ثمَّ أصحو من صراخ العالم المجنون والدم والقيودْ
أغفو فأحلمُ بانبعاث الشمس في أفق تلوّنه الأماني بالورودْ
بالفجر أحلم، بالروابي، بانتمائي للوجودْ
مَنْ علّمَ الأشياء أن تحيا وتحلمَ بالخلود؟
يا أيها الجاثي هناك هناك.. خلفَ نهاية الأيام والليل البهيمْ
يا أيها الممتد بين نهاية الأحزان والمجهول
حيث يلفّكَ الأزلُ المسافر دون دربٍ.. يا عظامُ ويا رميمْ.!
ما زال في أفق السراب على طريق العابرين؟
باقٍ يؤرقني السؤال وذلك اللغز الكبيرْ.!
من أينَ جئنا؟
كيفَ أصبحنا نسيرْ؟
ما سرُّ تلك الصرخة الأولى؟
وما سرُّ النهاية؟
ما المصيرْ؟
الأول:
لا تسألنَّ.. فربما كان المصيرْ
في ذلك الجسد المعفّن تحت أكوام الترابْ
في الأنف والفم والمحاجر يستحثُّ لكَ العذابْ
ولربّما هي لحظة.. هي همسة
ويلوح في أفق الظنونْ
ظلٌّ ترنّح ثم غابْ.!
ولربّما تغفو وتحلمُ.. ثم تحيا بين أطياف السرابْ
ولربّما هي صرخة.. وبها تكونْ
روحاً تئنُّ من العذابْ.!
أنا لست أدري يا رفيقي.. ما النهاية، ما المنونْ؟
غادرْ تساؤلكَ الغبيّ.. فسوف يُتعبك الجوابْ.!
جئنا.! ولكن كيف جئنا؟
لا تَسَلْ.! أكمِلْ طريقكَ دونَ وعي
دونَ حلم
تستفيق.!
أوَما رأيتَ على الطريق؟
سرّا تبوح به الحياة؟
في الأرض في الأنهار في الأشجار في ألق الربيعْ
في ذلك الطير المغرّد واختلاجات المراعي إذ يطرّزها القطيعْ
فإلامَ تبقى خلفَ ذاكَ الوهم تعدو في متاهات الظلامْ
الأمس مات فلا تضيّعْ ما سيأتي بانتظار واحتضارْ
وتظلُّ وحدكَ في الدياجي.. بعدما يمضي النهارْ..
الثاني:
الأمس مات.. ويوشك الغد أنْ يموتْ
وهناك ترقد في الظلامْ..
ذكرى مضتْ عجلى..
وكانت في ليالي الأمس إنسانا..
تلاشى واستحال إلى عظامْ.!
فاسمعْ أنيني.!
لا تَسَلْني ما رأيتَ على الطريق؟
أنا ما رأيتُ سوى المآسي والمنايا والظلامْ
سافرتُ وحدي في عوالم غربتي
وقطعتُ خاوية الدروب بلا رفيقْ
غيرَ الشقاء.!
وسطوة الدم، والسلاسل،
واحتراق العمر، عاماً إثرَ عامْ
بقيَ الرمادْ.!
وضاع زهو النظرة الأولى..
وغاب الضوء.. والأنفاس أطفأها الحريقْ.!
فاسمعْ أنيني.!
سوف أرحل عن قيود الطين في جسدي
ولكن مرةً أخرى سألتحف الظلام
وهناك في ليل المدى وسراب خاتمتي أنامْ
فلربّما أغفو..
وأحلمُ بالحياة.!
رماداً..
غدا كلُّ شيءٍ رمادْ
رماداً..
وأسطورة غابره
رماداً..
وما كلُّ شيءٍ يعادْ
فلا تسألوه عن المجمرة
دعوه يمرُّ.. مع العابرينْ
بأمنٍ.. إلى عتمة المقبرة
ولا توجعوه..
لقد كان يحلم بالياسمين
وعطر الصباح..
قفوا.. واسمعوا منه عزف الجراحْ
فما قال شعراً.. ولا قال نثراً..
ولكنّه همس قيثارة مزّقتها الرياحْ
لقد كان بالأمس.. ويح الردى.!
وميضاً يهمُّ بأنْ يولدا
ولكن أمانيه أودَتْ به
وعاثتْ به موجة ساخره
وبحرٌ من الدمع لفَّ الوميض
فأطفأه قبل أن يوقدا
وذاب الصدى..
فلا تسألوه إذا غرّدا
بصوت الجراح.!
وأفضى بآلامه للرياح
فباحت بآلامه للمدى
ولا تسألوه إذا ما اغتدى
مع السندبادْ..
عن الشمس والدوحة المزهرة
وعن شهرزادْ..
وعمّا توارى وعمّا بدا
ولا تسألوه إذا ما غدا
رماداً.. رمادْ
وغامَ على الذاكرة
رمادٌ..
فأنّى له الاتّقادْ؟
إذا خمد الجمرُ تحت الرمادْ
وخانتْ به المجمرة.!
في غابة الأيام عمرٌ يضيعْ
تساقطتْ أوراقه في الربيعْ
وغاب صوته، وفي نهاية المدى
تفجّرَ الصدى..
يا موت يا خاتمة الأيام يا ردى
أخذتَ إذ أخذته الربيع والندى
كانَ إذا مرَّ على روضةٍ
طافحةٍ بالعطر فوّاحة
مرَّ على آماله باكياً
وأطبقَ الراحة بالراحة
كأنّما ذكّره بالهوى
قلبٌ فأفشى سرَّه باحه
يا قلبُ ما هذا التصابي وقد
بثَّ إليك الزهر قدّاحه
فأيقظ الجرح على غفلةٍ
وآهةٍ بالصمت نوّاحه
هذا غدٌ.. هذا دمٌ سائلٌ
ملءَ الثرى والبوم صدّاحة
هذا صراع في بطون الدجى
والشرُّ مزهوٌّ على الساحة
مازالَ ذاكَ الدرب يفضي إلى
لهيبها، والنار لوّاحة
يا أيها الراحل عن حلمهِ
هلْ تبتغي أن تملك الواحة؟
كلا.. فإنَّ الدهرَ لا يرتضي
أن يخلدَ الإنسان للراحه.!
سلاسلٌ.. تهافتٌ.. رغبة
تبعده عن عالم الاخضرارْ
عن البراءة الّتي أوشَكتْ
أنْ تنتهي في زمن الاندثار
وعزلة الإنسان عن أ فقهِ
إلى كهوف الليل خلف الجدار
سلاسلٌ، تهافتٌ، رغبة
تبعده عن السنا والنهارْ
كانَ شقيّاً مثل أحلامهِ
غرامهُ محضُ أسىً وانكسارْ
يحلمُ بالحبِّ وأسراره
يحلمُ بالنشوة والانتصارْ
يقول للنهر وأمواجهِ
كعاشق طال به الانتظار
نحن أسيرا حُلُم واحدٍ
نحن كلانا رهن هذا المدار..
كانَ شغوفاً بالهوى والغرامْ
كان شغوفاً بالندى والمطرْ
قيثاره يصدح رغم الظلام
يفضي بمكنوناتهِ للبشر:
عن موسم الصبا وعن مواسم الحصادْ
عن ضفّةٍ تنفّستْ أشعّة القمرْ
وليلةٍ فاضتْ بها دموع شهرزاد
تكلّمَ الصمت بها وغرّد الوتر..
وغربةِ الأرواح في مراكب الضياع
وسندبادٍ صارع الرياح والقدر
مازال يشدو وكأنَّ الريح والشراع
صدىً يبثُّ شدوَهُ.. فيهطلُ المطر.!
هو السنا لاحَ على أجنحة الوداع
من عمره الّذي مضى.. كلمحة البصر..
يا أيها الحالمُ آنَ الأوانْ
للروح أن تستريحْ..
ضاقتْ بك الدنيا وضاق الزمان
هل يحتويكَ الضريح..؟
قد كنت بالأمس وما كان كان
صيحة روحٍ وريح..
لم يبقَ من ملحمة العنفوان
الا هواك الجريح..!
يا أيها الراقد ما كان كانْ
بالأمس والأيام دوّاره
ها قد ألفتَ الموت والسرُّ بانْ
من عالم يكتم أسراره
ماذا ترى مما بدا للعيانْ؟
في عالمٍ جاوزتَ أسواره..!
أنا الّذي كنتُ على حيرةٍ
في عالم السابلة العابرينْ
أنهكني الترحال خلف المدى
وهاجسُ الشكّ وصوت اليقين
أطارد الأحلام أنّى بدا
سرابها ألهث بين السنينْ
أحلمُ أنْ أصنعَ لي عالماً
من الندى والنور والياسمينْ
ما كنتُ أدري أنّني حينها
ما كنتُ إلاّ محضَ ماءٍ وطينْ
حتى تغشّاني جليّ الرؤى
وأيقظتني صحوة الغافلين
ماضون لا ندري لعلّ المنى
تفضي لها قافلة الراحلين
ماذا أحسُّ اليومَ.. ماذا أرى؟
كأنّني محلّقٌ بالفضاء..
ما كان حلماً ذاك.. لكنّها
تحرّرتْ روحي وزال العناء؟
كأنّني من قاع قبري أرى
إشراقة الفجر ونبعَ الضياء
وروضة طافحة بالندى
طيورها صاخبة بالغناء
كأنّني.. بَلْ إنّني سامعٌ
في جنّة الأحلام صوتَ السماء.!
تبدّدَ الوهم وزالَ الضبابْ
وذابَ ماء الغيمة الشاردة
وانهتكتْ أستارها والحجابْ
فبانتْ الحقيقة الخالدة..
ليسَ فناءً.. إنّها صحوة
ويقظة للأنفس الراقدة
كلُّ أمانيكمْ سرابٌ سرابْ
أيامكمْ شاردة شارده
قد غاب ماضيكم ورغم الغياب
يأتي غداً من صيحةٍ واحده..
ليسَ فناءً.. إنّها عودة
إلى أديم الفطرةِ الأولى
إلى أديم الأرض كلٌّ بما
يحمل من دنياه محمولا.!
مَنْ لوَّثتْ أيامكم روحه
يخلد مذموماً ومخذولا
ومَنْ أتى صافية روحه
يبقى بفيض النور مجبولا
في عالم الخلدِ نديُّ الرؤى
معانقاً أحلامه الأولى.!
براءة.. سعادة.. نشوة
تجمعها حقيقة كالخيالْ
مباهجٌ تملؤه لهفة
تحمله نحو السنا والجمالْ
كأنّما عاد إليه الصبا
في غفلةٍ من دهره ما يزال
عند ضفاف النهر مستودعاً
أحلامه بين الحصى والرمالْ
براءة تمنحه بهجة
في عالم خلفَ حدود المحالْ
تحققتْ فيه المُنى كلّها
للفائزين البالغين المنالْ..
يا عابرين الدرب لا تجزعوا
فإنّما أيامكم فانيه..
ولا يغرَّنّكمُ زيفها
إذا بَدَتْ مغرية غاويه
فإنَّ مستقرَّكمْ هاهنا
في عالم الحقيقة الباقية
يا عابرين الدرب إنَّ الخطى
تدفعها الرّيح إلى الهاوية
دنياكمُ خيرٌ وشرٌّ فلا
تجرفكم رياحها العاتية
نحوَ كهوف الشرِّ نحو الدجى
نحو الخطايا والخطى داميه
إنَّ على الشرِّ هنا لعنةً
سوداء من أهوالها داجيه
وإنَّ للخير هنا جنّةً
سيعلم الآتي غداً ما هيه
كلٌّ يجازى بالّذي ناله
كلٌّ يجازيهِ غداً ماضيَة..