تخطَّ إلى المحتوى

عيونك في ليل الفرات مدامع

غير معروف

٥٣ بيت

المتفرقات

عيونُكِ في ليل الفرات مدامعُ

ووجهُك في ليل الملمّات ناصعُ

وأنت العزاءُ المرُّ إن عصف النوى

وإن عصفتْ بالعاشقين الزَّعازع

رأيتُكِ في أرض الفراتين نخلةً

على فرْعِها للطّلْع، والحسنُ طالع

يمرّ بها الشارون هذا مولَّعٌ

وذلك في محراب عينيكِ خاشع

يؤدّي لها دربان دربٌ من الرضا

وآخرُ مسدودٌ به السيفُ قاطع

من المستحيل الوعْر شُقَّت شِعابه

فما طامعٌ ألوى به المكْرُ راجع

أتيتُكِ والشوق القديم يحثُّني

له من أسى المكلْوم والثُّكْل شافع

إذا أجفلتْ في الغرب عني مرابعٌ

حَنَتْ من حنايا الرافدَيْن المرابع

وخلَّفتُ في جَيّوسَ ربعًا مروَّعًا

لتشمخَ في بغدادَ حولي الروائع

وودّعتُ أهلي والنوائبُ حُوَّمٌ

عليهم، وما دون المغيرين وازع

وفي البلد المنصور أسمع صوتَهم

فهذي سجاياهُم، وتلك النوازع

سلامٌ أيا بغدادُ، هل يكتمُ الهوى

محبٌّ وما تُطوَى عليه الأضالع

عزيزةُ قومٍ ما انتختْ يومَ عارضٍ

بفرسانِها، إلا ولبَّتْ طلائع

يقارع دون الحق حُرٌّ حياتُه

ولو أغضتِ الدنيا سيبقى يقارع

ويدفع ما لا يدفع الغيرُ دونَه

وللمجد ما يلقَى وما هو صانع

وما المال والأهلون إلا ودائعٌ

ولا بدَّ يومًا أن تُرَدَّ الودائع

فبغداد ملءُ السيف والحرفِ عزَّةً

ودجلةُ تروي والدهورُ مَسامع

وبغدادُ سِفْر المجد مذ فُطر الضحى

وبغدادُ بنت الخلد، والدهرُ راكع

أقامت حضاراتٍ وأعلَتْ منابرًا

فعزَّت مناراتٍ وعزَّت جوامع

فللفكْر في آثارها ألفُ شاهدٍ

وللشعر أثارٌ سمَتْ وبدائع

وظلَّ صريرٌ في الأثير ورنَّةٌ

وخطْفُ صليلٍ في السماوات شائع

كذا طُبعتْ بغدادُ، لا زال طبعُها

وظلَّتْ من المنصور فيها طبائع

ومن يجعلِ الأخطارَ بعضَ دروبِه

تَهُنْ إن رَمَتْه في سُراه المواجع

حملتُ مواساتي وهل بعدما قضى

قضاءٌ وحلَّت في البلاط الفواجع

تجوزُ مواساةُ امرِئٍ بصغارِه

ويسعفُه قولٌ من القلب نابع

وأطفالنا للمجد عدَّةُ بأسِه

وأطفالُنا في الغدِّ سورٌ مُدافع

وهُمْ نحن إن عزَّتْ بنا أرضُ موطنٍ

وهم نحن، إن صالتْ وجالتْ فظائع

ولكن عهدَ الثأر يبقى مقدَّسًا

يُنادي وأحلامُ الرجال زوابع

ودون العراق الحُرِّ يرخُص ما غلا

وما تبتغي في ساحِهِنَّ المعامع

ودونَ عصافيرِ البراءةِ قادمٌ

يَشيبُ له هَوْلُ الردى والشوارع

فكل ليالي الثاكلين مواجعٌ

يؤجِّجُها جرحٌ من الغدر فاجع

تسائِلُني في حضرة الموت طفلةٌ

أتاها لهيبُ النار وهي تُطالع

أما لرواجِ الموت يا عمُّ آخرٌ

وللقاتلِ المسعور هل ثَمَّ رادع

أبنتَ أخي أجَّجتِ في القلب ناره

وأوريتِ حزنًا وهْو أسيانُ وادع

سلي سيفَنا العربيَّ لمْ لا نسلُّهُ

أليس له في غير بغدادَ رافع

تراني أهابُ النار، أخشى انتشارها

وها هي بالنيران تُكْوى الأصابع

ولي نخوةٌ يربو على العدّ جندها

ولكنني في مهْمَهِ الأمر ضائع

أبيتُ على وعدٍ وأصحو مؤمّلاً

واقرأ ما تُزجي إلينا المطابع

كأنيَ محكومٌ يُساق لحتفِه

فيمضي إليه وهو للحكم طائع

يُجرَّعُ كأسَ الهمِّ، والهمُّ قاتلٌ

ويرضى بأقسى السمِّ والسمُّ صارع

فيا كبدي المحروق سِيّانِ حالنا

كلانا به ومضٌ من النار لاسع

ولكنَّ ما بي لا يراه مشاهدٌ

وما بك جمرٌ فاقعُ اللون ساطع

ويا حلوتي إنا قريبان في الأذى

يُوحِّدنا العدوانُ والبَوْنُ شاسع

وإن فرَّقَتْنا في المكان مواقعٌ

فقد قرَّبتْنا في الزمان الوقائع

تهبُّ من الشرق الشظايا عليكمُ

ومن غَربهِ تأتي حِمانا المدافع

قنابلها معروفةٌ وأصولُها

ومعروفةٌ أهدافها والدوافع

وليس يكون الشيء والضدُّ واحدًا

سوى أنه من جوهر الضدّ طالع

وهل يرتضي الإسلامُ حلْفًا مع العدا

ليُقتَل َأطفالٌ وتُبنى صوامع

أحيلي علينا الوِزرَ لا عاش خانعٌ

ولا ذاق إلا الموتَ والعارَ هاجع

فمن يسْلُ همَّ الدار في يوم همِّها

ويغفُ على أمواله وهو قانع

سيعلم يومًا أن في الأهل سَوْرةً

فلا بُرجُه ناجٍ، ولا المالُ نافع

فيا دارُ، يا دارَ السلام تجلّدي

ففي آخر المشوار ما شئتِ واقع

وليس الذي يشري كرامةَ قومه

بغالي دماءٍ مثل مَنْ هو بائع