أَعِنِ الذي يبكي على أعيانهِ
وامسح كثيفَ الدمع عن أعيانهِ
وارفقْ بمن قد فرقتْ أيدي النوى
ما بين ساعده وبين بنانه
دنفٌ من الحزن الملمِّ بقلبه
وبلبِّه وحشائه وجنانه
لا ناره تُطفا ولا عبراتهُ
تَخفى ولا السلوان في إمكانه
تتصاعد الزفرات من أنفاسه
كتصاعد الدخَّان من بركانه
فيرشّ ناظره الدموع كأنه
من حرِّها يخشى على إنسانه
وتجودُ بالدَّمع السخين عيونهُ
سحّاً يحاكي الغيث في تَهْتَانه
أو كيف ينفد دمعه ومداده
من قلبه المأخوذ في ذوبانه
طورًا تساجله الدّموع وتارةً
تربو فلا تنفكُّ عن أجفانه
يبكي فقيدًا جلَّ فينا خَطْبُهُ
آهٍ لدهري آهِ من حدثانه
خطبٌ، لسان البرق كان خطيبه
أبلاه مولاه بقطع لسانه
خطبٌ علينا فيه صاعقة البلا
هبطت فماد القطر مع سكّانه
خطبٌ له شقَّ الشقيق جيوبه
وروى حديث الدمع عن نعمانه
خطبٌ له في كلِّ قلب حرقةٌ
من حرِّ وجْدٍ حلَّ في وجدانه
يا ليت أذني قد تعطّل سمْعُها
عما النِّدا لاقاه في سمعانه
أَو ليت سلْكَ البرق كان سلوكه
للخير لا للشرِّ في جولانه
برقٌ بصوت البوم أرعد ناعبًا
فَعَلا نعيق البين من غربانه
صوتٌ دوى كاد السِّماك لهوله
يهوي أسىً ويخلّ عن ميزانه
عزّ العزاء على عزيز كرامنا
والصبر مفقودٌ على فقدانه
كيف السبيل إلى السلوّ وبدرنا
في ترب مصرٍ غاب عن أوطانه؟
قمرٌ هوى ما لاح ساطع نوره
إلا أقرَّ العين حسن عيانه
كرمٌ ثوى ما مسّ كرمًا يابسًا
إلا بدا والزهر في أفنانه
كرمٌ أقرَّ الحاسدون بفضله
وكفى به فخرًا على أقرانه
عَلَمٌ طوى الدهر الخؤون لواءه
والفضل ينشده مدى دورانه
سارت بمحمله الجليل مواكبٌ
وكتائب كالحج في ركبانه
وبساط رحمته الشريف تقلّه
أهل المكانة رفعةً لمكانه
والكلّ كالسكران فاقد رشده
من دهشةٍ لا من سلافة حانه
حتى أتوا جدثًا به واروه والذْ
ذِكرُ الجميل يزيد في تبيانه
جَدَثٌ به عُرْفٌ وعَرفٌ ضائعٌ
يهدي الورى طرّاً إلى عرفانه
لهفي عليه موسّدًا في قبره
بعد القصور وبعد عالي شانه
لهفي على تلك الأيادي البيض كم
كانت تحاكي النيل في فيضانه
لهفي على الحرِّ الكريم وصاحب ال
فضل العميم وخير أهل زمانه
يا ويح يعقوب ابنه يبكي دمًا
قضَتِ الخطوب عليه في حرمانه
جرحَى وقرحَى بالدموع عيونه
وفؤاده يَصْلَى على نيرانه
يا ويح أرملةٍ لفقد حليلها
تبكي بكا يعقوب في أحزانه
وعزيزةٍ أبتِ العزا ونداؤها
أبتي فؤادي ذاب من أشجانه
أبتي لقد عودتنا عزًا فما
هذي المذلّة في الأسى وهوانه
أبتي حسام الحزن قدْ قَدّ الحشا
وفرى الفُؤاد ومهجتي بسنانه
يا سادتي الأعمام قد عمّ البلا
والبين حجّب شمسنا بعنانه
كان الزمان لنا بشوشًا باسمًا
فانتاشنا والسمُّ في أسنانه
وانهدَّ صرح المكْرمات وصرَّحتْ
حالات هذا الدهر عن بهتانه
فابكي معي أمّاه ولتبكِ معي ال
أعمامُ والأخوال معْ خِلاّنه
وخلائق الدهر الخؤون الغدر في
إخوانه والجور في جيرانه
لو أسمعوا البيت المقدّس نعيه
لَبَكََى ولم يثبت على بنيانه
أو كان للمعروف شخصٌ ماثلٌ
لبدا لنا والشقّ في أردانه
يا قبرُ سمعانُ الكريم ارْحِبْ به
من زائرٍ واحرصْ على جثمانه
يا قبرُ زائرك الشريف توقَّه
إنَّ التُّقى ما ضمَّ في أكفانه
يا قبرُ فيك البحر أصبح ثاويًا
بكنوزه وكذا ثمين جمانه
فأضرّ تربك واللجاج بطيِّها
إن لم يجدك الغيث في هطلانه
يا قبرُ طودُ الفضل ضيفك فارْضِهِ
وافعلْ فِعال علاه في ضيفانه
يا قبرُ سمعان العفيف ومعدن ال
لطفِ اللطيف البَرّ في أخدانه
وافاك ضيفًا كي يلاقي ربَّهُ
لمّا دعاه لخلده وجنانه
تبكي على سمعان أبناء الورى
كبناته والشِّيب معْ شبانه
فمن الرجال تأسُّفٌ وتأوهٌ
والندب والتعديد من نسوانه
أمّا الدموعُ عليه فهي كريمةٌ
والبخل بالأحشاء في سلوانه
ما منقصٌ فيه الكآبة والأسى
إلا حليف النقص في إيمانه
بكتِ الكنائس خاشعًا بصلاته
كالمذنب الجاني لدى سلطانه
بكت المدارس ضامنًا من جوده
نجْحًا لها بل وافيًا بضمانه
بكت اليتامى منه أكرم والدٍ
ذي رأفة يحنو على ولدانه
وبكتْهُ مرضى كم أقام لأجلها
بيتًا رحيبًا جاد في إتقانه
وبكى عليه النيل وهو رفيقه
إذ كان يسعفه على أطيانه
وبكته كلُّ حمامة في أيكها
والطائر القُمْريْ على أغصانه
وبكى عليه الجود والكرم اللذا
نِ رأتهما كفَّاه من حدثانه
كفَّانِ ما كفّا ندًى عن سائلٍ
كالسَّيل لا ينفك عن سيلانه
سمعًا أخا الحزن المبرّح في الحشا
سمعان لم نعلم حقيقة شانه
سمعانُ صفوة ربه سمعان من
سمع الندا «طوباك» في آذانه
سمعان باهر فضله وسخائه
عند الإله يزيد في لمعانه
ما كان يومًا بالغبين من اشترى
حسن الثنا والمدح في إحسانه
هو حافظ الأسرار بل هو راجح ال
معيار عند الله في أوزانه
قد سار والحسنات من أجناده
وكذلك الأملاك من أعوانه
وبمنَّة الرحمن أرِّخْه رأى
في الخلد راحته ودار أمانه