لِمَ ارتاعَ مِنكَ الطَّرْفُ ؟ هلْ لاحَ جُؤذَرُ؟
ففي حُسْنِهِ قَهْرٌ لِمَنْ ليسَ يُقْهَرُ؟
وقد كنتَ قَتَّالَ الكُماةِ بِنَظْرَةٍ
فَبِتَّ بِعَيْنٍ لا تَرى حيثُ تَنْظُرُ
وقد كانَ مِنكَ الطَّيْفُ لِلأُسْدِ مُسْهِرًا
فأمسيتَ مِنْ طَيْفِ الجَآذِرِ تَسْهَرُ
ينالُ وِصالَ القومِ مَنْ ليسَ كُفْأَهُمْ
ولَمْ يَهْوَهُمْ ، والصادقُ الكُفْؤُ يُهْجَرُ
ألم تَرنِي جاهَدتُ دونَهُمُ الوَرَى ؟
وغَيْري لَها ، والآنَ أُنسَى ويُذْكَرُ
فلو كانتِ الأيامُ عابِثَةً لَمَا
عَجِبْتُ ، ولكِنْ كُلُّ شيءٍ مُقَدَّرُ
أسيرُ برأسٍ لا يَميلُ ، وإنّهُ
لَفوقَ فؤادٍ بالهَوى يَتَفَطَّرُ
فلو كانَ لِي قلبٌ كَرَأسِي وسَاعِدِي
كُفيتُ الهَوَى ، وَهْوَ الشَّديدُ المُسَيْطِرُ
ألا أَبْلِغا عَنِّي الوَرَى لا أبا لَهُمْ
إذا الحُرُّ لَمْ يُشْكَرْ ، فَمَا يَتَغَيَّرُ
لَئِنْ أنْكَرَتْنِي مِصْرُ بعدَ صَنائِعِي
فإنِّي لِمِصْرَ الدَّهْرَ لا أتَنَكَّرُ
وما انْفَكَّ هَمَّي بينما أنا قاعِدٌ
يُلازِمُنِي ، فَحينَ أنْفِرُ يَنْفُرُ
أمِيلُوا علَيَّ الخَيلَ إنّي لَمُعْسِرُ
وما مِثْلُ لُقيا الخيلِ عندِي مُصَبِّرُ
أُسامِرُها ضَرْبًا ، وتُسْكِرُني دَمًا
لَعَمْرُكَ مَا لِلحُرِّ كالدَّمِ مُسْكِرُ
ألا رُبَّ يَوْمٍ زُرْتُ فيهِ كَريهَةً
فَصَدَّتْ ، وكانتْ قَبْلُ تُدْعى فَتَحْضُرُ
وَإنّي على الهَيْجاءِ لَلْمُشْفِقُ الذي
يَراها بِهِ عُدَّتْ كَلَهْوٍ يُبَذَّرُ
وإنِّي الذي لا تَسْتقِيمُ بِعَيْشِهِ
نَوامِيسُ عَيْشٍ قبلُ كانتْ تُقَدَّرُ
بقطرةِ ماءٍ قَدْ أُشِبُّ جَهَنَّمًا
وأُطْفِئُ مِنْها كلَّ نارٍ تَسَعَّرُ
وَلَسْتُ أقولُ الشِّعْرَ إلا تَسَلِّيًا
كَفَانِيَ وَصْفًا لِلْمَنامِ المُعَبِّرُ
حُسامٌ مَتَى أٌلْمِحْ أَجِدْهُ مُصَرِّحًا
يُجاوِزُ ما عَنْهُ قَوَافِيَّ تَقْصُرُ
وما أنا مِمَّنْ يَطْلُبُ الصَّفْحَ إنْ بَغَى
وَلَمَّا يَزَلْ بَغْيِي علَى مَنْ تَجَبَّرُوا
أُقَلِّبُهُمْ بَيْنَ المَصَائِبِ لاهِيًا
إلى أنْ أمَلَّ اللَّهْوَ أوْ يَتَكَسَّروا
وكانوا يَرَوْنَ المَوْتَ قَبْلي مُصيبَةً
فَلَمَّا رَأَوْني أَصْبَحَ الموتُ يُشْكَرُ
لَئِنْ كانَ فيهمْ مَنْ يَحِنُّ إلَى الوَغَى
فَقَدْ صَارَ فِي الأحلامِ بِالنَّقْعِ يُذْعَرُ
أنا المُستعاذُ مِنْهُ في الحَرْبِ كُلَّما
دعا السَّيْفَ يُدعَى اللهُ خَوْفًا ويُذْكَرُ
وما لِيَ لا أدعُو الحُسامَ ، وَقَدْ دَعا
لِلُقْيَايَ مَوْتٌ يَائِسٌ مُتَضَجِّرُ ؟
شَحيحٌ ، على الأرذالِ ليسَ بِمُنْفَقٍ
جَوادٌ ، على الأبطالِ لا يَتَأَخَّرُ
وقد كانَ يَخْشاني الرَّدى إذ أريدُهُ
فَفِيمَ مُناهُ اليومَ إذْ أَتَنَكَّرُ؟
وما صَرَفَتْني عَنْهُ ساعةُ لَذَّةٍ
ولكنْ سُنونٌ مُفْسِدُوها تَأَمَّرُوا
وما كنتُ أرجُو الخُلْدَ لكنْ كَرِهْتُ أنْ
أُخَلِّفَ بعدي شانِئًا يَتَبَخْتَرُ
لَيُنْصِفُني أنْ أُلْفِيَ الدَّهْرَ غالِبِي
وَلَلدَّهْرُ أوفَى ذِمَّةً حينَ يَظْفَرُ
وإنِّي لَأُسْقِي المَوْتَ يَأسًا وأَسْتَقي
مِنَ العَيْشِ بَأْسًا فَوقَ بَأسِي فَأُنْظَرُ
فإمَّا يُمَكَّنْ مِنِّيَ المَوْتُ سَاعَةً
فَكُلُّ امْرِئٍ مَهْما عَلا سَوفَ يُقْبَرُ
وما كانَ لِي أن أُسْكِنَ السَّيْفَ غِمْدَهُ
وعِنْدي مِنَ الطُّلابِ ما ليسَ يُحْصَرُ
هُمُ طَارَدُونِي تَارِكِينَ دِيارَهم
وما عَلِمُوا أنِّي الطَّرِيدُ المُهَجِّرُ
وماذا عَلِيهمْ لَوْ تَوَلَّوْا وأدْبَرُوا ؟
فَقَدْ أعْذَرُوا ، إنِّي بِمِثْلي لَيُعْذَرُ
فَلا يَأْمَنَنَّ العَيْشَ مَنْ كُنْتُ قَصْدَهُ
ولا يأمُلَنَّ المَوْتَ مَنْ كُنْتُ أحْذَرُ