لي جَدَّةٌ عهْدُ الصبا كانت تردّد لي حكايه
فيها الهدى - فلجدتي سمةُ التُّقَى سمة الولايه
ولكم حكيمٍ ساق حكمته على نسق الروايه
كانت تقول - بُنيَّ أنصِتْ فالعجوز لها درايه
ضمَّتْ علومَ الأقدمين من البدايةِ للنهايه
فإذا خشيتَ الظلم يومًا أو متاهات الغوايه
فارجعْ إلى قصص العجوز تجدْ بها سبلَ الهدايه
فلقد حوَتْ ثمرَ اليقين إذا أحاطتك العنايه
وكذا جزاء البغي إن ظلموك حقدًا أو سعايه
فاسألْ معي مولاك يا ولدي لتكلأك الرعايه
كانت تقول - بُنيَّ حدَّثَني الثقاةُ من الرواه
عن بلدةٍ عاشت رعيّتها السلامَ مع الرعاه
فالناس من صفو القلوب هُدوا لطاعات الإله
والرزق موفورٌ ومكفولٌ وميسورٌ جَناه
الغيثُ يُقبل كلما اشتاق الجديب إلى نَداه
والأرض تُثمر حيث لا أحقادَ تختصم الهداه
والعدل بينهم استتبَّ - فلا قضاءَ ولا قضاه
الذئب لم يطمع وبين يديه تمرح ألفُ شاه
عاش الجميع مع الجميع وللجميع على هداه
أمْنٌ وإيمانٌ أظلاَّ بالصفاء رُبا الحياه
وتناقلَ الجيران أنباءَ الحياة الهانيه
كيف الحياةُ تسير بينهمُ مياهًا جاريه
لا شرَّ لا أشرارَ كيف؟ وكل نفسٍ عاصيه
أَملائكٌ بالأرض يحيون الحياة الباقيه
والأرضُ أرضٌ والخلائق هم فكيف العافيه
لا بدَّ من سرٍّ عجيبٍ أو أمورٍ خافيه
أتراهمُ صنعوا لهم بالسحر دنيا ثانيه؟
أم ذاك إكسير الصفاء بكل بيتٍ آنيه؟
لا بل طلاسمُ أُورثوها من عصورٍ خاليه
وتحركّت نفسُ اللئام الحاسدين علانيه
وتجمَّع الأشرار والحقد احتوى قلبَ الجُناه
وتآمروا وزعيمهم شيخ الأبالسةِ الدهاه
قالوا له ولبئس ما قال الزبانية القُساه
إنا أكاسرةٌ جبابرةٌ قياصرةٌ عتاه
وجوارنا متأخّرون يعكِّرون لنا المياه
ولهم بلابل شدوها فظٌّ ووحشيٌّ صداه
والريح تحمل عطرهم مسكًا فيؤذينا شذاه
لا بدَّ أن يَتحضَّروا أو يُقتَلوا وبلا أناه
يكفيهمُ عاشوا قرونًا متخمين إلى اللهاه
وتصايحوا بالحرب - ويلَ الوادعين من الطغاه
وعَلَتْ طبول الحرب تعلنها ضروسًا عاتيه
والمؤمنون الآمنون لهم قلوبٌ صافيه
يتشاورون لعل بالحسنى تُردُّ الغاشيه
الحربُ؟! فيمَ الحرب؟! ثم الحرب أصلاً ما هيه؟
والأرض قد وسعت جميعَ الخلق أُمّاً حانيه
لِمَ لا يعيشون الحياةَ كما نعيش سواسيه؟!
لِمَ لا يكون الخير مقسومًا بنفسٍ راضيه؟!
لِمَ لا يرون الحقَّ يكفل للتَّقيِّ أمانيَه
أفذاك أسلوب الحضارة؟! غِلظةٌ وأنانيه؟!
يا للجهالة والضلالة والوحوش الضاريه
ماذا جنينا من شرورٍ أو غرورٍ أو مكائدْ؟
ماذا جنينا والقلوب غدت معابدَ أو معاهد؟
ماذا جنينا والبيوت غدت كنائسَ أو مساجد؟
وغدًا إذا غلب البغاة غَدَت حظائرَ أو مزاود
ورجالنا يُستعبَدون ويصبحون لهم سواعد
ونساؤنا وبناتنا تغدو موائد أو وسائد
حتى سنابلُنا البريئة سوف تَحْرقُها المفاسد
وشيوخنا الحكماءُ؟ - يا للهول من هذي المشاهد
لا لن نُسلِّم أرضنا أبدًا - وربُّ العرش شاهد
لا فالمقابر يومها أولى بأصحاب العقائد