سَرَتْ مِنْ بَرْزَخٍ ناءٍ بَعِيدِ
وَوَجْهُ الصُّبْحِ مُتَّضِحُ العَمُودِ
وَأَهْدَتْ مِنْ تَحِيَّتِها سَلاماً
أَعادَ الرُّوحَ فِي جِسْمِي العَمِيدِ
أَلا يا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لِما قَدْ
عَهِدْتُ مِنَ البَشاشَةِ مِنْ مُعِيدِ
وَيا تِلْكَ اللُيَيْلاتُ المَواضِي
أَلا عُودِي لَنا بِالْوَصْلِ عُودِي
لُيَيْلاتٌ بِها كَمْ مِنْ غَزالٍ
يَصِيدُ الأُسْدَ أَضْحَى مِنْ مَصِيدِي
وَكَمْ وَطَرٍ قَضَيْتُ بِها وَكَمْ قَدْ
لَهَوْتُ بِخُرَّدٍ لَدِنِ القُدُودِ
وَحامِلَةٍ قَضِيباً فِي كَثِيبٍ
تَهَزَّعُ فِي الغَلائِلِ وَالبُرُودِ
تَراءَتْ بَيْنَ سَجْفَيْها فَلاحَتْ
لَنا كَالشَّمْسِ فِي دَرَجِ السُّعُودِ
فَتِلْكُمْ نُصْبَ عَيْنِي فِي انْتِباهِي
وَنَوْمِي أَو قِيامِي أَو قُعُودِي
وَكَمْ بَلِيَتْ بِجِسْمِي فِي هَواها
عِظامٌ قَد تَغَطَّتْ فِي جُلُودِي
إِذا ما رُمْتُ أَسْلُوها تَتالَتْ
بِيَ الزَّفَراتُ مُسْعَرَةَ الوَقُودِ
وَإِنْ أَخْفَيْتُ عُذّالِي هَواها
جَرَى دَمْعِي فَكانَ مِنَ الشُّهُودِ
وَمَنْ شَهِدَتْ مَدامِعُهُ عَلَيْهِ
فَقَدْ عَدِمَتْهُ حُجَّاتُ الجُحُودِ
تَصُدُّ تَدَلُّلاً طَوْراً وَطَوْراً
تَجُودُ بِوَصْلِها بَعْدَ الصُّدُودِ
وَرُبَّةَ وَقْفَةٍ مِنِّي وَمِنْها
قَضَيْناها عَلَى عَهْدٍ جَدِيدِ
وَقَفْنا مَوْقِفاً ما قَطُّ فِيهِ
نُحاذِرُ مِنْ رَقِيبٍ أَو حَسُودِ
فَقُلْتُ لَها ارْحَمِي فَتَبَسَّمَتْ لِي
بِكَشْرٍ لاحَ كَالسِّمْطِ الفَرِيدِ
وَلاحَ لِناظِرِي وَرْدٌ طَرِيٌّ
عَلَى الوَجَناتِ مِنْها وَالخُدُودِ
وَقابَلَنِي لَها نَحْرٌ صَقِيلٌ
يُدافِعُنِي بِرُمَّانِ النُّهُودِ
أَسائِلَتِي وَصِدْقُ القَوْلِ يَنْفِي ال
شُّكُوكَ مِنَ اليَقِينِ سَلِي وَزِيدِي
سَلِي تَجِدِي المَسُولَ أَخا بَيانٍ
يُفِيدُكِ فِي السُّؤالِ فَتَسْتَفِيدِي
وَهاكِ مَقالَةً مِنِّي اسْتَقامَتْ
شَواهِدُها بِمَوْقِفِها الشَّهِيدِ
خُلُودُ المَجْدِ وَالعَلْيا نَراهُ
مُقِيماً فِي خُلُودِ أَبِي الخُلُودِ
حُسامٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ ما إِنْ
لَهُ غَيْرُ المَحامِدِ مِنْ عَمُودِ
كَبَدْرٍ ما سَرَى إِلا بِتِلْكَ ال
حُصُونِ أَو السُّرُوجِ أَو القَوُودِ
مَخايِلُ جُودِهِ لِلْوَفْدِ لَيْسَتْ
بِمُخْلِبَةِ البُرُوقِ وَلا الرُّعُودِ
وَلا يَوْمٌ لَهُ فِي الدَّهْرِ إِلا
وَكانَ عَلَى البَرِيَّةِ يَوْمَ عِيدِ
مُتُونُ الصَّاهِلاتِ لَهُ مُهُودٌ
قَدْ اسْتَغْنَى بِهِنَّ عَنْ المُهُودِ
تَناهَى فِي العُلا أَعْلَى المَعالِي
بِأَنْسابِ الجُدُودِ وَبِالجُدُودِ
أَجَدْتُ المَدْحَ فِيهِ مُسْتَجِيداً
فَجادَ عَلَى المُجِيدِ المُسْتَجِيدِ
وَآثَرَنِي بِما تَحْوِي يَداهُ
هُنالِكَ مِنْ طَرِيفٍ أَو تَلِيدِ
وَيَدْفَعُ كادَ لِي حَسَناتِ ما قَدْ
تَكَسَّبَ فِي الرُّكُوعِ وَفِي السُّجُودِ
لَقَدْ أَفْلَحْتَ فِينا يا فَلاحُ
وَفُزْتَ بِمَكْسَبِ الفِعْلِ الحَمِيدِ
وَبِالفَخْرِ افْتَخَرْتَ وَبِالمَعالِي
وَبِالتَّوْفِيقِ وَالفأْلِ السَّعِيدِ
وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ وَقَبِيلِ قَوْمٍ
طَغَوا وَهُمُ أُولُو بأْسٍ شَدِيدِ
طَغَوْا وَبَغَوْا وَكانَ لَهُمْ عَلَى مَنْ
تَوَلَّوْا بَغْيُ عادٍ أَو ثَمُودِ
بَعَثْتَ لَهُمْ جُيُوشاً فِي جُيُوشٍ
لَدَيْها الأُسْدُ تُقْنَصُ بِالأُسُودِ
فَلَمَّا أَنْ رَأَوْها مُقْبِلاتٍ
مُدَجَّجَةً بِآلاتِ الحَدِيدِ
رَأَوْا وَاسْتَيْقَنُوا أَنْ لا مَناصَ
هُناكَ مِنَ العَساكِرِ وَالجُنُودِ
وَقَدْ خَفَقَتْ قُلُوبُهُم جَمِيعاً
مَخافاتِ الرَّدَى خَفْقَ البُنُودِ
فَمِنْهُم مَنْ ثَوَى قَتْلاً وَمِنْهُمْ
أَسِيرٌ فِي السَّلاسِلِ وَالقُيُودِ
فَهَذا ما اسْتَحَقُّوا مِنْ نَكالٍ
وَمِنْ بَطْشٍ يَكُونُ وَمِنْ عَتِيدِ
وَقُدْرَةِ مَنْ أَذاقَ عُزَيْرَ كأْسِ الرَّ
دَى مِئَةً سِنِيناً فِي العَدِيدِ
وَأَنْشَرَهُ وَأَحْياهُ اقْتِداراً
فَأَمْسَى بَعْدَ ذلِكَ فِي الوُجُودِ
وَأَمْسَكَ سَقْفَهُ المَرْفُوعَ حَتَّى اسْ
تَقَرَّ وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُسْتَمِيدِ
مُقِيماً لَيْسَ يَدْنُو لانْحِدارٍ
وَلا يَعْلُو هُناكَ إِلَى صُعُودِ
وَأَخْرَجَ يُوسُفاً مِنْ سِجْنِهِ إِذْ
حَظِي فِي السِّجْنِ بِالعِلْمِ المُفِيدِ
وَلَقّاهُ أَباهُ بَعْدَ ما أَنْ
رُمِي وَابْتِيعَ بِالثَّمَنِ الزَّهِيدِ
وَصَيَّرَ ذِكْرَ أَهْلِ الكهْفِ مِنْهُ
مِنَ الآياتِ فِي الزَّمَنِ المَدِيدِ
هُمُ لَبِثُوا ثَلاثَ مِئِينَ عاماً
وَتِسْعاً بَعْدُ فَهيَ مِنَ المَزِيدِ
رُقُودٌ كُلُّهُمْ فِي الكَهْفِ فاعْجَبْ
لِرَقْدَةِ هؤُلئِكَ فِي الرُّقُودِ
وَكَلْبُهُم لَدَيْهِمْ وَهوَ مُلْقٍ
ذِراعَيْهِ بِناحِيَةِ الوَصِيدِ
لأَنْتَ أَجَلُّ مَنْ فِي الأَرْضِ ماسَتْ
لَهُ قَدَمٌ عَلَى وَجْهِ الصَّعِيدِ
وَرِثْتَ المَجْدَ عَنْ غَوْثِ بنِ نَبْتٍ
وَعَنْ ماءِ السَّما وَعَنْ الخُلُودِ
فَما لَكَ فِي المَفاخِرِ مِنْ شَكِيلٍ
وَما لَكَ فِي المَحامِدِ مِنْ نَدِيدِ