جاء الكتاب وها أنا في سجنيَ الداجي الرهيبْ
في حجرةٍ دكناءَ كالكهف المحجَّبِ بِالغيوب
وجدارها المطليُّ بالأحزانِ تصبغُه الخطوب
وعليه آثار الدماء تخالها وَهْجَ اللهيب
جاء الكتابُ كتابُكَ المكتوب بالدمع الخضيب
وعلى شعاعٍ باهتِ الأضواء في عيني يَجوب
قد رحتُ أقرأ في كتابٍ صِيغَ من خفْقِ القلوب
بعث الحبيبُ به إليَّ لواعجَ القلبِ الحبيب
أختاه قد جاء الكتاب وما كتابك باليسيرْ
وقرأتُ فيه حبيبتي ما قالَه ولدي الصغير
أبتاه أين تبيتُ ما لي لا أراكَ على السرير
أبتاه كيف تركتَني يا منبعَ الحبِّ الكبير
أنت ابْتِساماتُ الحياةِ وأنت كوكبُنا المنير
أنت الحياةُ لنا وأنت ربيعُنا الزاهي النضير
إني صحوتُ فلم أجدْك بجانبي وقتَ البكور
ووجدتُ أمي في ذهولٍ تسكبُ الدمعَ الغزير
فسألتُها أماه أين أبي فجاشت بالبكاءْ
وتنهَّدتْ في حسرةٍ حرَّى يغلِّفها الشقاء
وحنتْ عليَّ وقد جرى دمعي المخضَّب بالدماء
قالت صغيري لا تَهُنْ فأبوكَ ينْبوع الإباء
ما راعَه غدرُ الطغاةِ المارقين الأدْنِياء
السافكين دمَ الشباب الحُرِّ ظلماً واعتداء
الخانقين الفجرَ فجرَك حين أسفرَ بالضياء
الحاجبين النورَ عن عينٍ تطلَّعُ للسماء
جاؤوا وكان الليلُ يأذنُ يا صغيري بالرحيلْ
والصمتُ يقطعُه الأنين فكم بهِ آسٍ عليل
كم فيه من ثكلى على ولدٍ على زوجٍ جليل
دقُّوا بعنفٍ بابَنا دقّاً به حقدٌ غليل
والبابُ حُطِّمَ يا صغيري ثم جدُّوا في الدخول
دخلوا علينا الدارَ في همجيَّةٍ مثلَ المغول
يتراقص الحقدُ الدفينُ بوجههم وبه يجول
الضاحكون إذا دمٌ زاكٍ بلا ذنبٍ يسيل
قد أمسكوا بأبيك يا ولدي يصلي للإله
فصرختُ فيهم أي جرمٍ أي ذنبٍ قد جناهْ
قالوا له خنتَ البلاد وأنت من قومٍ طغاه
فأجابهم فيمَ الخيانةُ والتجسُّسُ يا بُغاه
ألأنني قلتُ العروبة أفْتَديها بالحياه
أنا لا أرى ظلَّ الدخيلِ بموطني وعلى ثراه
أنا لا أرى النذلَ الجبانَ يدوس فوق ثرى الأُباه
أنا لاأرى العربيَّ يحْني الهامَ إلاّ للإله