أقْوى وأقْفَرَ منزلٌ بأُثالِ
عفَّاهُ أسحمُ دائمُ التهطالِ(1)
وتناهبتْهُ يدُ الرياحِ فتارةً
بيدِ الجنوبِ وتارةً بشمالِ(2)
والنؤيُ هدّمَهُ تقادمُ عهدِهِ
قيدُ البلى مُتباعدُ الأحوالِ (3)
كانتْ مَنازلُ منْ ربابَ وفرْتنى
وسُعادَ سابِيَةِ الحِجى بدلالِ
أضحى كما الثّوبِ المُرقًّعِ ترْبُها
يمشي الهجفُّ بهِ وأمّ رئالِ(4)
راعَ العزيفُ بها المُنيخَ وراكبًا
وحديثُ أغوالٍ وضحْكُ سعالي(5)
إنْ جدّ عنْها الآن رحلةُ أهلِها
فلكمْ أقمتُ بهِا بأحْسنِ حالِ
وصَحبْتُ واضحةَ الجبينِ تزيّنتْ
بالشذْرِ والياقوتِ والخلْخالِ
يحلو بها صممي عنِ العذّالِ
حتّى وإنْ ذكروا مَشيبَ قَذَالي(6)
مكْسالَ يمنعُها النعيمُ قيامَها
في جيدِها لمعٌ كلمعِ الآلِ (7)
حَسُنَتْ كإبريقِ اللّجينِ نَضَارةً
تأبى إذا ألجُ الخباءَ زيالي (8)
ملآنةٌ تحْتَ الحقابِ وضامرٌ
فوقَ الحقابِ كمَارنٍ عسّالِ (9)
هل تذْكرينَ مَجَالسًا ريحانُها
من شِعرِِ مُحْتبلٍ ثَوى بِحبالِ (10)
أو ليلةً غفلتْ عيونُ وشاتِنا
عنْها فجئتُ مُجرِّرًا أذيالي
أيّامَ يُسْلمُني الصّبا لدياركم
فتَُخاتلينَ أهيلَها لوصالي
نحيي الهوى فإذا يؤذّنُ ديكُهم
أنسلُّ غيرَ مُفَرِّكٍ أو قالِ(11)
قد أغتدي والليلُ يسحبُ ذيلَهُ
والصبحُ يكسو الأرضَّ بالسربالِ
بنجيبةٍ وجْناءَ تحسبُ أنّها
فَدَنٌ تخبُّ بسبْسبٍ ورِمالِ(12)
مقذوفةٍ بالنحضِ جلَّ سنامُها
فتْْلا الذراعِ شملّةٍ شمْلالِ (13)
وكأنّ رجليها دعائمُ سرحةٍ
منْها الحَصَى يَنْزو منِ الإرْقالِ (14)
تخْدي كأنْ رأتِ الضواري خلْفَها
عدْوَ السّفنّجِ أو عداءَ غزالِ (15)
كمْ ساءلوا هلْ تلْكَ ناقةُ صالحٍ
أمْ نسلُها؟ شَمخَتْ على الأجمالِ (16)
وكأنّها آلتْ تبلّغُني الذي
أمّلْتُهُ ما لمْ تَمُتْ بِهُزالِ (17)
سيري (بروقُ)ففي ذراكِ سماحةٌ
معشارُها قدْ مالَ بالأجبالِ (18)
لم أرضَ بالحملِ الخفيفِ إذا رضوا
إنّ المكارمَ في احْتمالِ ثقالِ
وأهشُّ للضّيفِ الذي الْتمسَ القرى
وأخُصّهُ بالزّادِ قبْلَ عيالي (19)
يترقّبُ اللسنُ الأديبُ فصاحتي
ويُحاذرُ البطلُ الكريهُ نزالي (20)
إنْ يجعلِ اللهُ السّوادَ بجلْدتي
فَسنا البياضِ بشيمتي وفعالي
الصّارمَانِ لديّ أطعنُ تارةً
بالمشرفيِّ وتارةً بمقالي (21)
وأقرّبُ الخيلَ العِتاقَ لمأقطٍ
فخضابُ لبّتِها دمُ الأبْطالِ (22)
إنّي إلى القَومِ الذينَ تلبّبوا
ومَشوا إلى نَجْرانَ بالأفيالِ (23)
إذ يبْتلي الملكُ اليهودي مؤمنًا
يلْقِيهِ في الأخْدودِ غيرَ مُبالِ (24)
فلقد حززْنا للطغاةِ سوالفًا
يُنمَونَ للسادَاتِ والأقْيالِ (25)
لا تذْكرنَّ البيتَ إذ لمْ تحمِهِ
ولْتجعلنَّ أبَا رِغالِ ببالِ (26)
لكنْ أبابيلٌ رمتْ سجّلَيها
منْ جنْدِ ربّ العزّةِ المتعالي (27)
إكسومُ منْ قبلِ المسيحِ ممالكٌ
وبِنَاؤنا في داخلِ الأدْغالِ (28)
فَتَرى الغضنْفَرَ في القُصورِ مُمَدّدا
يلهو مع اللبواتِ والأشبالِ
لم نتّبعْ كسْرى وقيصرَ مرّةً
فملوكُنا لمْ ترضَ بالأوشالِ (29)
بيْنا كَذا الإسْلامُ جَاءَ متمّمًا
بالنور بعدَ عمايةٍ وضلالِ
حيِّ الصحابة قد أووا لبلادِنا
فرّوا بدينِ اللهِ خَوفَ نكالِ
فحمى النّجاشيُّ الأمينُ جوارَهُ
عادت قريشُ بخيبةِ الآمالِ
آثامُ أبْرهةٍ محَاها أصْحمٌ
ويزيدُنا فضْلًا أذانُ بلالِ (30)
منّا فريقٌ للصّليبِ قدِ انْتمى
خسْرًا وآخرُ فائزٌ بِهلالِ