اليوم ضاع من الشبيبةِ مصطفى
فابكوا وقولوا لا سرورَ ولا صَفا
يا نُخبةَ النُّجباء مات عميدُكم
فتسربلوا ثوبَ الحداد مُفَوَّفا
يا معشرَ النفرِ الألى فُجعوا به
حاشا لطول العهد يُنسَى مصطفى
يا مصرُ نوحي وارفعي علمَ الأسى
قد مات من أحيا الشعورَ وما غفا
قد مات مَن غرسَ الثباتَ بحكمةٍ
فينا وأخرج شطْأَه فاسْتحصَفا
قد مات من ردَّ المكايدَ عزمُه
وعدا على جيش العُداةِ فأوقفا
ما حاد عن سُبل المعالي قصْدُه
كلاّ ولا ركبَ الهوى متعسِّفا
ما كان هيّابًا ولا نِكْساً ولا
هابتْ عزيمتُه لهوْلٍ موقفا
ولدتهُ مصرُ فأنجبت وغَدا بها
كَلِفاً وكان لعزِّها متشوِّفا
فسطا عليه الموتُ سطوةَ ضَيْغَمٍ
من قبل أن يجني الثمارَ ويقطفا
تبكيك يا ربَّ الشهامة أمةٌ
ما كان أشفقَها عليك وأرأفا
كلُّ يئنُّ من المصيبة قائلاً
قد عاش محبوباً ومات مُشرَّفا
هذا هو المجد المؤثَّل والذي
قد كان منكوراً فصار مُعرَّفا
يا خيرَ من راضَ اليراعَة كفُّهُ
وأجاد في وصْفِ المعاني أَحرُفا
وأفاد أبناءَ البلاد بعلمِه
لما تصدَّى للعلوم وصنَّفا
مصرُ الأسيفةُ بعد موتك أصبحتْ
ثكلى وأمستْ منك قاعًا صفصفا
أدركتَ في وقت احتضارِك حزنَها
فجعلتَ تُوصي بالحقوق معرِّفا
تلك الشهامةُ ما علمنا مثلَها
مذ كان جسمُكَ للردى مستهدَفا
يا معشرَ الإخوان بعد وفاتِهِ
قولوا على الدنيا وما فيها العَفا
يا من ببطن اللَّحدِ أصبح ثاوياً
وغدا بأثواب المنون مُلفَّفا
قد كنتَ في التحرير أنْبهَ كاتبٍ
قد كنت سيفاً في الخطابة مُرْهفا
قد كنت روضاً في الكياسة مزهراً
قد كنت غيثاً في السياسة واكِفا
قد كنت في شرْخِ الشبيبة ناضراً
ما بال غصنك قد ذوى متقصِّفا
قد كان صوتُك في الممالك ذائعًا
إن قلتُ قالوا قد سمعنا الأحْنفا
هابتك أبطالُ السياسة والحِجا
وطلبتَ إنصافا فقالوا أنصفا
عاهدتنا تحريرَ مصرَ وأهلِها
هلاّ وفيتَ فإن شيمتَكَ الوفا
تبكيك أعواد المنابر خشَّعاً
وعليك ذابت حسرةً وتأسُّفا
يأيها المِنْطيقُ مالكَ ساكتاً؟
حتى متى هذا السكوت أما كفى؟
قم وارْقَ منبرك الذي عوَّدته
حسْنَ الخطابة فالنفوسُ على شفا
واصدعْ بأمرك ياهُمامُ فكلنا
مرضى وأنت لنا من المرض الشِّفا