تخطَّ إلى المحتوى

شعر التفعيلة

٥٠ بيت

النسيب

لا ترحلْ عنّي...

ولا تطلب منّي أن أرحل!

أنا مَن وضعتُ ظلالي تحت أقدامك،

مَن علّقتُ قلبي على شرفاتك،

مَن نامتْ أحلامُها في فجوة صوتك...

أتريدُ الآنَ أن أغلقَ الستارةَ على حياةٍ نسجتُها لك؟!

أنا الغيرةُ حين تحاصرُني خُطاكَ إلى البعيد،

أنا النارُ إذا همستَ لغيري بالغياب،

أنا الغيمةُ التي لن تجفَّ حتى تُمطرَ فوقَ قلبك،

أنا السِّرُّ الذي لا يشيخ،

أنا العشقُ إذا انكسرَ الزمانُ وانطفأتِ الأوطانُ.

عُدْ إلي...

فأنا وطنُك الذي ضاع عنك حينَ قسوت،

أنا البحرُ الذي يبتلعُ عاصفتكَ دون أن يشكو،

أنا القصيدةُ التي لا تموتُ وإن مَزّقَها المطرُ في الطرقات.

أيُّها الرجلُ الذي يكتبُ الحزنَ على حوافِّ قهوته،

أيُّها الغائبُ الذي لا يُحسنُ أن يكون غريبًا،

تعالَ...

ضمِّد غربتكَ بيديَّ،

واسكنني كما تسكنُ الشجرةُ حلمَ الندى،

فأنا أرفضُ أن أكونَ غيمةً لا تُمطر،

وأرفضُ أن أكونَ صورةً تُطوى في ظلام الرفوف.

ارحلْ إن استطعتَ أن تقتلَ ظلكَ من على جدراني،

ارحلْ إن استطعتَ أن تنزعَ وجهي من كفوفِ ذاكرتك!

أمّا أنا...

فلن أُغادركَ حتى لو ماتَ الحبُّ على ضفافِ مجتمعٍ أعمى،

حتى لو لفظني العالمُ كما تلفظُ البحارُ أعشابَها الميتة،

سأبقى على بابك،

كنجمةٍ عجوز،

ترفضُ أن تطفئَ ضوءَها الأخير.

أحبُّكَ كما تحبُّ الطيورُ أعشاشَها المهجورة،

كما تحبُّ الجداولُ أسرارَ الحصى،

كما تحبُّ القصائدُ أعماقَ الليلِ الذي يُنجبُها.

فلا تطلبْ منّي أن أرحل!

أنا عصفورةٌ لو كسرتَ جناحَها،

تبقى تغني لكَ بنصفِ قلب،

وتحملُ خرائطَ السفرِ إليك

حتى آخر نَفَس.

أُحبُّكَ...

وأغارُ عليكَ من الهواءِ الذي يلامسُ يديكَ،

ومن القصائدِ التي تشبهُ خطاكَ،

ومن المرايا التي تراني في عينيكَ.

أُحبُّكَ...

وأعشقُ انهياري أمامكَ كأنني مدينةٌ لا تُسلّمُ مفاتيحها للغزاة،

فلا تكتبني قصيدةَ وداع،

بل اكتبني نشيدَ حياةٍ لا ينتهي.

فلو قُدِّر لي أن أموت،

سأموتُ بين يديكَ،

وعلى شفتيَّ آخرُ همسة:

"أُحبُّكَ... ولن أرحل"