من صدمتي قد أُلجِمَ الحرفُ
ولِما جرى أعيا فمي الوصفُ
بغدادُ إنّ قلوبَنا عُصِرتْ
حزناً عليكِ وهدّها الخوفُ
وتكسّرتْ كلماتنا خجلا
مما اعتراكِ وأطرقَ الطرفُ
بغدادُ كيفَ الحالُ؟ كيف غدتْ
فيكِ الرّبى والنهرُ والجُرفُ؟
أو ما يزالُ النّهرُ مبتهجاً
والبدرُ فوق مياهه يطفو؟
أو ما يزال الليلُ ساحرةً
أنوارُهُ.. فكأنّها طيفُ؟
وحدائقُ الساحات كيف بدتْ؟
أو ما يزالُ بزهرها عَرْفُ؟
أو ما يزالُ بكلّ داليةٍ
طيرٌ يحط وجنبهُ إلفُ؟
في بيتنا النّارنجُّ كيف غدا؟
أعليهِ ما زال النّدى يغفو؟
هل يا تُرى أغصانُهُ كبُرَتْ؟
لَكأنّها بالقلب تلتفُّ
فمن الحمائم حولها حِلَقٌ
ومن السنونو فوقها صفُّ
أوّاهُ يا بغدادُ.. إنّ بنا
شوقاً شديداً دونه اللهفُ
أدمنتُ فيكِ الحبَّ من صِغَري
ولغيره بسواكِ لا أهفو
جسرُ الرصافةِ منذ فارقني
نِصفٌ هناك وفي الحشا نِصفُ
بغدادُ أتعبني الحنينُ وما
عنه الفؤادُ بوسعه الكَفُّ
في كلّ يومٍ عنكِ يقتلني
خبرٌ يطلُّ كأنّه السيفُ
ومشاهدٌ لكأنّها جبل
فوقي ينوءُ بحمله الكتْفُ
القدسُ كانت همُّنا زمنا
والآنَ بعدَكِ همُّنا ضِعْفُ
شاخ الفؤادُ من الأسى وغدا
عُمْرُ الفؤادِ كأنه ألفُ
أُخِذَ البريءُ بذنب ظالمِه
وعلى القضيّةِ أُسْدِلَ السَّجْفُ
بغدادُ كم عينٍ بكتْكِ وهلْ
بعد الجريمةِ ينفعُ العطفُ؟
بأكفِّنا اغتلناكِ من زمن
وغداً بذاك ستشهدُ الكفُّ
منذ ارتضينا العنفَ يحكمُنا
أضحى يشوبُ طباعَنا العنفُ
ساد الهوى فينا وصارَ لهُ
مثلَ العبيدِ قلوبُنا الغُلْفُ
بالأيدلوجياتِ كمْ خُدعَتْ
فينا العقولُ وغرّها الزيفُ
وكم اطّرحنا خلفَنا قِيَماً
من دونها الإسلامُ لا يصفو
هذا الذي نلقاهُ من يدنا
مهما علا بشموخه الأنفُ
فمنِ ابتنى بالظلم دولته
سيخرُّ يوماً فوقه السقْفُ
بغدادُ عنكِ الأرضُ تسألني
ويجيشُ من أحزانِها الجوفُ
وعليكِ يبكي النخلُ من جزعٍ
ويئنُّ فوق جذوعه السّعْفُ
ماذا أحدّثُ عنكِ يا نغما
يحلو به الإنشادُ والعزفُ
قيثارةُ الشعراءِ قد كُسِرتْ
منذ انكسرتِ وحُطّمَ الدُّفُ
فلتغفري ضعفي وحشرجتي
إنّ المُحبَّ بطبعِه الضَّعْفُ