شاردٌ في الخيال ليس يُفيقُ
جسدٌ موثَقٌ وعقلٌ طليقُ
لا تلوميهِ إن يَنؤْ ذات يومٍ
أنتِ حمَّلْتِهِ بما لا يُطيقُ
نال منهُ الإعياء كل منالٍ
وتعالى زفيرهُ والشهيقُ
شرَّدَتْهُ الدروبُ صبحًا وليلًا
وطَواهُ التغريب والتشريقُ
تتوالى إثر الليالي الليالي
وهو في لُجة السراب غريقُ
مرهف الحس مستطارٌ إذا ما
لاح في الأُفْق للخلاص بريقُ
وهو ما زال مولعًا لا يبالي
والأماني تَروقهُ وتشوقُ
واستحال الصباح فصلًا مطيرًا
تتوالى رعودهُ والبروقُ
واستحال الدُّجى حواليْهِ سجنًا
وقيودًا تَؤودهُ وتعوقُ
وكأن النهار والليل حبلٌ
هو فيهِ معلَّقٌ مشنوقُ
رِعشةٌ إثْر رعشةٍ تعتريهِ
وفؤادٌ من الهموم خَفوقُ
قلبهُ صار جذوةً من لهيبٍ
مُلئتْ بالرماد منها العروقُ
مِلء أنفاسهِ دخانٌ ونارٌ
فهو يحيا وكُلُّ نبضٍ حريقُ
أرهقتْهُ السنون حولًا فحولًا
وبراهُ الغروب ثُم الشروقُ
ساهدٌ شاردٌ حزينٌ كئيبٌ
مُطرقٌ في الهموم لا يستفيقُ
ليس في نفسهِ الحزينة معنىً
غير هذا السكون معنىً دقيقُ
لا تلوميهِ إن يَنؤْ ذات يومٍ
أنتِ حمَّلتِهِ بما لا يُطيقُ
أنتِ صيَّرْتِهِ على الدرب فردًا
ما لهُ فيهِ صاحبٌ أو رفيقُ
مَزَّقَتْهُ الشِّعابُ سيرًا وإدلاجًا
وأذرى بهِ الظلام العتيقُ
والطريق الذي يسير عليهِ
مَهْلَكٌ شاسعٌ وتيهٌ سحيقُ
إنه لَم يزلْ على خَطر مُذ
بدأ السيرَ واحتواهُ الطريقُ
مِلء سمعيْهِ قهقهات السعالي
وهي تستمرئ الدِّما وتُريقُ
وصراخ الرياح من كل صوبٍ
وصدىً خافتٌ وصوتٌ خنيقُ
وأنينٌ يجييء من كل فجٍ
ونعيبٌ خَلْفَ المدى ونعيقُ
والأعاصير عرْبدتْ في المراعي
والبساتينُ صوَّحتها الحروقُ
والزهور التي سقتْها يداهُ
جف فيها الندى وضاع الرحيقُ
أنت أرسلتِهِ يصوغ القوافي
فيقولون صابئٌ زنديقُ
وحواليْهِ تُرَّهاتٌ عِجافٌ
يتساوى ضجيجها والنهيقُ
والأغاني التي يصوغ ويتلو
شجنٌ كُلها وحزنٌ عميقُ
أنت أرسلتِ شاعرًا عبقريًا
في زمانٍ بمثلهِ لا يليقُ