تخطَّ إلى المحتوى

البين يحرق والذكرى تؤرقنا

غير معروف

٥٥ بيت

المتفرقات

البين يحرق والذكرى تؤرقنا

يا راحلاً في مغاني القلب قد سكنا

إن غاب جسمك في لحدٍ يودعنا

فإن طيفك بساماً يلوح لنا

فما تزال أمام العين في أثر

تركته شاهداً يسمو بهمتنا

تمسى هناك إلى الرحمن في أمل

ونحن في موطن الذكرى نراك هنا

ودعتنا يا حبيب الروح فانتزعت

من الفؤاد سؤالات به ومنى

لكنما حشوه صبر وأدعية

مبتلَّة من عيون تهجر الوَسنا

أبكيتني في سنين العمر مغتبطاً

واليوم أبكي على توديعكم حزَنا

أسير في مجْمَعٍ كالموج مندفعاً

وأنْتَ أنْتَ على الأكتاف متزنا

كما عهدتك في الدنيا أخا ثقةٍ

موسومةٍ بهدوء رائع وسنا

يشيعونك لا كفت مدامعهم

ولا انطفت حرقة في قلب مَنْ دفنا

وكنت أنظر لا عيني تطاوعني

ولا الفؤاد طوى من ذكره شجنا

تكاد روحي إلى مثواه تغلبني

وتنطوي فوقه من حبه كفنا

لو كان يُبذل طول العمر في قَدَرٍ

كنا نجود له من عمرنا زمنا

اليوم يُفتح في قلبي وأوردتي

جرح جديد بأمثال المُدى شحنا

اليوم تحرق أجفاني مدامعها

من بعد ما وسدوه الطين واللبنا

عدنا نعزي وما يدري أحبته

من المعزى، فقد عم المصاب بنا

عزيت كل يتيم بات مكتئباً

عزيت أرملة، عزيت من حزنا

عزيت مسجده الغالي وزمزمه

عزيت جامعة كانت له فننا

عزيت طلابه علماً وتربية

الناهلين معيناً مَنْ نآ ودنا

عزيت كل محب يكتوي كبداً

فكان أولهم يوم الفراق أنا

لا زمزمٌ بعده غنت بلابلها

ولا تدلت عناقيدٌ بها وجنى

تسمو بقادتها لكنْ على كمدٍ

ولا يلام شجاعٌ أنَّ إذْ طُعِنا

وزمزم رغم جرح القلب ماضية

يسمو بها سيدٌ إن سيدٌ ظعنا

وبت أطوي من الذكرى وأنشرها

والعين تدفع من أجفانها الثمنا

كنا إذا نزَّت الأدواء نقصده

بعد الإله فكم جُزْنا به محنا

كنا نداوي به جرحاً يغالبنا

واليوم أضحى جراحاً ترهق البدنا

كنا وكنا وقد كانت هواتفنا

تكاد تزهو إذا جواله لحنا

فكيف أخبر جوالي بفاجعة

وكيف أمسح أرقاماً بها اقترنا

سبحت في لجة الذكرى أكاد أرى

آثاره الغر فينا منظراً حسنا

أسائل الطب في المشفى، عيادتِه

كليةِ الطب، ناديت الألى علنا

أين الطبيب الذي كانت بشاشته

كأنها بلسم بالحب قد عُجنا

ناديت مسجد حسانٍ أسائله

وأسأل الحي والدار التي سكنا

أقلب الطرف في جيران منزله

فعلَ المشوق الذي بالحب قد فتنا

فتشت في الساحل الغربي أطلبه

وكنت في القوز أرخي للصدى أذنا

لعل صوتاً على عهدي بنبرته

أفديه بالروح لا أبغي له ثمنا

ناديت ناديت لا شرقاً أعاد صدى

صوت الجواب ولا شاماً ولا يمنا

يممت مكة لا ألوي على أحد

إلى التراب الذي في العدل محتضنا

يا تربة العدل هذا تاج ساحلنا

هذا خلاصة أخلاق إذا وزنا

قد كان في كرم الأخلاق مدرسةً

كالنحل من كل طِيبٍ يجمع الحَسَنا

خمسون عاماً بنت رمزاً لأمته

وشاد فيها صروحاً للهدى وبنى

وصاغ للهدف العالي مقدمة

وعاش يتبع في تحقيقه السننا

وأرخص النفس في بذل وتضحية

كي ترتقي في سماء النصر أمتنا

هذا الوفي كريم النفس ذو منن

وليس من طبعه أن يذكر المننا

هذا المسجى (عليٌ) في تواضعه

هذا (الفقيه) الذي أهدى لنا الفطنا

يا تربة العدل إيماناً وتهنئة

فقد غدوتِ لأرباب الندى وطنا

يا تربة العدل عدلاً في أحبتنا

نرضى القضاءَ ويبقى الشوق مختزنا

خذي لك الجسد الغالي وأعظمَه

ونحن سيرتَه العظمى كنوزَ غِنى

من قال إن (علياً) غاب وانطفأت

أنواره واختفى المزن الذي هتنا

من قال إن بحار الحب زاخرة

ما عدت ألمح في أمواجها السفنا

ما زال يسطع في أبنائه أملٌ

ما زال منزله في المكرمات سَنا

ما زال غرس يديه يانعاً خضراً

وأفضل الصيد في جوف الفَرا كَمَنا

هذا الرحيل وقد أحيا برحلته

قلباً وفكَّ من الأغلال مرتهنا

وصاغ من ذكره عزماً وتضحية

درَّ البيان يبزُّ الشاعر اللسنا

فما ذكرت حبيب القلب في خلدي

إلا بكيت أسىً، أستوقف الشجنا

وما نظرت إلى آثار همته

إلا شعرت بعزمٍ في دمي شحنا