تخطَّ إلى المحتوى

المدينة مثلك مثقلة بالغيوم

المتدارك

٨٠ بيت

المتفرقات

المدينةُ مِثلَكَ .. مُثقَلَةٌ بالغيُومِ

وبَعضُكَ لا يَستَجِيبُ لبَعضِكَ ..

إلا بشَيءٍ من الشَّكِّ والخوفِ

والنظرةِ القَاسِيَةْ

كلُّ ما في الطَّريقِ

يُحدِّقُ في خَطوِكَ المتثاقِلِ

دُونَ سُؤالِكَ: " مَنْ أنتَ يا ذا الغَرِيبُ؟ "

فكلٌ يحثُّ خُطاهُ بِبَعضِ التوسُّلِ للوقتِ

ألَّا يَفُضَّ بَكارةَ ما يَتَبَقى من العمرِ

حتى يفوزَ بحِفنةِ لهوٍ .. يعودُ بها

ليُواريَ سَوءةَ ما ماتَ ..

في اللَّيلةِ الماضِيَةْ

أينَ تَبْحثُ عمَّنْ يُزيحُ غُبارَ المسافاتِ عنكَ

وكلُّ الشوارعِ مكتظَّةٌ بالفراغِ

منَ الحبِّ .. والأمنِ ..

واللمسةِ الحانِيةْ

سِرْ قليلاً ..

وقَلِّبْ وُجوهَ الحوانِيتِ واللافِتاتِ

وأعْمدةِ النورِ

والقِططِ الباحِثاتِ عن القُوتِ

والأرجُلِ المُتعَباتِ من الشُّغلِ طولَ النهارِ

إلامَ تشدُّكَ عيناكَ ..

إلا إلى وجهِ قُبحٍ ..

ومُفرَدَةٍ لاهِيةْ

هل سَتَذْكرُ حينئذٍ صُوَرَ الطفلِ ..

وهوَ يطوفُ بأكتافِ أعمامِهِ ..

ليذوقَ رحيقَ التوحُّدِ في جسدٍ واحدٍ ...

وإذا ما توارَى مع الغيمِ حِيناً

يعودُ سريعاً لحِضنِ أبيهِ

بِلا حُجَجٍ واهيةْ...؟

ذلكَ الطفلُ .. أينَ مضَى؟

والأبُ الحِضنُ ..

صُورتُهُ نَفَخَتْ في فمِ الموتِ من رُوحِهَا

وأضَاءتْ لهُ الليلَ منْ عينِها

واستعانتْ على البردِ بالصَّبرِ

ألْقَتْ عباءَتَهَا .. وتَوَلَّتْ

لعلَّكَ تفهمُ بعد سِنينِ الجَوَى ما هِيَ

أينَ تذهبُ؟

بيتُكَ ليسَ هُنا

وشُعاعُ الشتاءِ يدقُّ ببابكَ

والريحُ تَقتَلعُ الحَيرةَ المستَبِدةَ قبل انسحابكَ

والبحرُ يهربُ من ذِكرياتكَ

في موجةٍ عاتِيةْ

ها هُو اللّيلُ .. يقرأُ وِرْدَ التَّخَلِّي

على قِطعةٍ من قَميصِ الأمانِي

ويُلقِي بها في غَيَابَاتِ نهرٍ

يَفيضُ حنيناً على حُلمِ قَلبَينِ

ظنَّا بوعدِ المدينةِ خيراً ..

ولكنَّها عن أمانِيهِما ساهِيةْ

هيَ تلكَ المدينةُ .. مثلكَ

مُثقَلَةٌ بالجُروحِ

فَلابدَّ ترحلُ عنهَا ... وعنكَ

لقدْ حانَ بوحُ الصباحِ .. بعينِ الغروبْ

قَد تشقَّقَ جِلدُ المدينةِ

أخْرجَ من بَطنِها جُثَثاً هَامِداتٍ

تَسَكَّعْنَ في الطرُقاتِ طويلاً

إلى أن تَعَوَّدْنَ عِشقَ الهرُوبْ

جَسَدُ الليلِ يفْضَحُ ...

ما كانَ قبلَ الرَّحيلِ

فَلُذْ أنتَ بالفجرِ ...

وابْعَثْ عيونَكَ ..

كيْ تَستَعِيذَ بلونِ النهارِ

فلا زِلتَ في عينِ هذي المدينةِ

مَحضَ غَريبْ ...!

لا عَليكَ ..

ولا تَنْسَ أنكَ ذُقتَ رحيقَ التَّوَحُّدِ

منذُ رجِعتَ لحضنِ أبيكَ

فلا تَقتلْ الحُجَجَ الواهيةْ

كلُّ ما في المدينةِ ..

يهربُ منكَ .. إليكَ ...

فكنْ مثلما كنتَ في صورةِ الطفلِ َ

وابدأْ هُنا ..

سِرْ قليلاً ..

وقلِّبْ وجوهَ الحوانيتِ واللافتاتِ

وأعمدةِ النورِ

والقِططِ الباحثاتِ عن القوتِ

والأرجلِ المتعَباتِ من الشُّغلِ طولَ النهارِ

وفكِّرْ .. إلامَ تشدُّكَ عيناكَ ..

تَعرفْ ...

إلى أينَ تذهبُ هذا المساءْ ...