رشفتُ شبابي قطرةً بعد قطرةٍ
وشبت فلم يعتبْ عليّ شبابيا
وَردْتُ الثغور الظامئات مناهلاً
وطفت الصّدور الناهدات مجانيا
تهيم بهن الروح روحاً فإن طغتْ
وأَذكتْ دمي أطفأت في الجسم ناريا
إذا الحبُّ أرضى الرُّوح والقلبَ أوَّلاً
تسامى فأرضى الجسم والدَّم ثانيا
وقد تذبل الأرواح يحرمن قبلةً
كما تذبل الأزهار يحرمن ساقيا
ولم يَرَني الإمساءُ أَرْقُدُ خاليا
ولم يرني الإصباحُ أنهضُ صاحيا
ولم ينسني لهوُ الحياةِ مشاغلي
ولم يُنسني جِدُّ الحياة الملاهيا
ويعجَبُ منّي الليل تصحو نجومه
وتَغفو تراني دارساً ثم لاهيا
وخيرُ السَّجايا أن توزع منصفاً
حياتك شطريها حليماً و غاويا
عَشِقت شبابي صُغت فيه مدائحي
فلما تولى صُغتُ فيه أهاجيا
تروقُ العناقيدُ الثعالبَ حلوةً
ويشتمنها إِن كنَّ عَنْها نوائِيا
الكهولة
تولى شبابي مُشرقَ الوَجْه زاهياً
وأقبل شَيبي كالح الوجهِ كابيا
ركبتُ المعاصي موجةً ثم موجةً
وأقعدني دائي فعِفتُ المعاصيا
سقيتُ الصّبايا ماء حبي وصبوتي
وجفَّ فهل يقبلن ماءَ حنانيا
وطوَّفتُ في الآفاق أقبس نورها
فضاقت بي الآفاق كالنحل ساعيا
ويَمَّمتُ أرض الصّين أشدو تُراثها
ومن لغتي أهدي لها وتُراثيا
فلم تسع الأرضُ الرَّحيبةُ هِمَّتي
فكانت أفانينُ السقام جزائيا
وقد زودتني في رحيلي هراوة
كأن لست ألقي في دمشق هراويا
وعُدتُ إلى داري أجرُّ على العصى
تواليَ أشلائي وأحمل دائِيا
كذلك حظي إن طلبتُ سعادةً
بأرضٍ سعى قبلي إليها شقائيا
إذا لم يقِ الله الفتى بحنانهِ
ورحمته لم يلقَ في الناس واقيا
الشيخوخة
وقالوا سئمت العيش قلت أحبه
ولو كنت في كوخ من القش ثاويا
أصوغ أحاسيسي وأشدو قصائدي
وأقرأ في ضوء النجوم كتابيا
وأرسل صوتي في الفلاة مدوّياً
وأضحك وحدي في دجى الليل هاذيا
أحب حياتي وهي كالصاب مرةً
وأكره موتي وهو كالشهد حاليا
جنوني أصيل لا أريد فراقه
وعقلي أصيل لا يريد فراقيا
صحبتها دهراً معاً فتعايشا
وكنت بهذين النقيضين راضيا
جنوني أراني المبكيات مهازلاً
وعقلي أراني المضحكات مآسيا
وما زلت في السبعين طفلاً تشابكت
رؤاي تساوى واقعي و خياليا
أسرُّ بأحفادي أزاهير غضةً
ويرثي لي الأحفاد أعجف باليا
غصونٌ تسامت فوق جذع محطم
إذا زاد يبساً زدن هن تساميا
أداعبهم حيناً فأقصر لاهثاً
وتشغلهم ألعابهم عن عنائيا
إذا ركبوا ظهري حصاناً تململوا
يريدون مهراً ثابت الظهر عاديا
ويفرح أحفادي إذا كنت لاهيا
ويسخر أحفادي إذا كنت واهيا
إذا رحت أحكي عن شبابي تغامزوا
ولاح لهم وجهي فألغوا شبابيا
تراءى زمانٌ سوف يدعى زمانهم
وولىّ زمانٌ كان يُدعى زمانيا
وأسرع في سيري وأنسى مواجعي
فيوقظني من عنف سيري لهاثيا
فأقعد إعياء كأني صخرة
يكر عليها السيل غضبان طاميا
وأبحث عن ركن قصي لعلني
ألملم جسماً ذابل العود ذاويا