ألمَّ بنا خَطْبٌ شجانا بأحزانِ
وقوّض في الأحشاء أطناب سلوانِ
أزاح عن النَّفس التبصُّرَ والرِّضا
وهاج بقلبي جيش هَمٍّ وأشجان
لقد جلَّ هذا الرزء واشتدّ وقعه
وذابت له الأكباد في كل جثمان
يحق لجفن العين إرسالُ دَمْعِه
فربَّ بكاءٍ كان طيّاً لأحزان
فقد عزَّ صبر النفس فيما أصابها
بموت خليلٍ لا يُعوَّض لطفان
فلو كان يُجديها فداءٌ بما لها
فدته ولكن ذاك في غير أبدان
فيا نفسُ صبرًا واحتمالاً لذا الذي
أصاب جميع الناس في خير خِلاّن
فلو لم يكن ذا الأمر حقّاً وواجبًا
على كل نفسٍ حكمُه كلَّ أزمان
لما خفَّ ما نلقاه من شَجَنٍ وفي
مَضاضته من كلِّ مُؤذٍ لإنسان
ولكنْ تأسّينا بأسلافنا الألى
مضَوْا قبل هذا اليوم من خير إخوان
لقد هُدَّ ركنُ المجد والعزّ والعلا
بموت أبي العبّاس أفضل أقران
وكيف يلذُّ العيشَ من صار بعده
حليفَ الجوى ليلاته غيرَ وسنان
فيا دهرُ لم ترقب ولاءً لصادقٍ
ولم ترعَ حقّاً من حسيبٍ وذي شان
على مثل هذا الخطب يجزعُ جازعٌ
أيصبر إلا ذو احتسابٍ وإيمان
ويسلو بأقوامٍ كرامٍ مضت بهم
منيّتُهم عن صرف دهرٍ وحِدْثانِ
مضوا ما لهم مِثْلٌ يقوم مقامهم
كذا أحمدُ المرحومُ ما إنْ له ثان
رضيعُ المعالي والسيادة والهدى
حليف الهدى والجود في كل أحيان
كريمٌ مُواسٍ ماجدٌ خُلْقه رضًا
فهل من عزاءٍ يا خليليْ وسلوان؟
فأين الملوكُ والولاة؟ وأين مَنْ
لهم جولةُ الأفذاذ في كلِّ ميدان؟
وأين الصّحابُ والأخلاّء والألى
يعدّونني من بينهم خير وِلدان؟
قضَوْا نَحْبَهُمْ كما قضى نجْلُ شيخنا
أبوالفضل والحِمام ليس بوسنان
وخلَّف أولادًا بمرأى إلههم
يحوطهمُ بالحفظ من حَيْف أزمان
كذاك يكون الخطب إن صال صولةً
يُذيق الورى طرّاً برزءٍ وحرمان
فمهلاً على الحِدْثان يا دهرُ واتّئدْ
فإنك بعدُ في اندراسٍ وفقدان
تُذيق لنا مُرّاً ولكنْ ستلتقي
بما سيُرى من شُربه لك مُرّان
على أننا فينا التسلّي بخير من
مضى بحِمامٍ صحبُه آل إحسان
فهذا سبيلٌ قد أُعدَّ لكل من
بذي الدار من أحرارهم ثم عُبْدان
إذا ما مصابٌ عمَّ خفَّ اصطدامه
وهان تلاقيه لدى كل إنسان