تخطَّ إلى المحتوى

أوجعت قلبي مخبرا ومجيبا

غير معروف

٤٦ بيت

المتفرقات

أوجعْت قلبي مُخبراً ومُجيبا

وقصمْت ظهري ناعياً وكريبا (1)

ونزعْت من عيني المعابة أدمعاً

وزرعْت فيها لوعةً ونحيبا

وعصفْت في أذني دويّ نوائحٍ

وجعلت فجري عُتمةً ومغيبا

وأزحت عن جمْرِ المواجع لبنةً

قد صاغها قلبي الصبور حسيبا

فتسارعت في الصدرِ تحكي مفزعي

دقّاتُ قلبي حسْرةً ولهيبا

وسقطت لا اقوى لحملِ مواجعي

وأفقت من هولِ الكروب مريبا

وشعرت من جللِ المصابِ كأنّه

حلمٌ له وَجَب الفؤادُ وجيبا (2)

آهٍ لقد رحل الذي من جوده

أضحى الجمالُ إلى الفؤادِ نصيبا

فوقفتُ أجمعُ للمصابِ عزائماً

قد هدّها جورُ الزمانِ عصيبا

لم أنس يوماً كان قلبي راجياً

فأجابني بالمكرماتِ حبيبا

قد قال لي مرحى بثغرٍ باسمٍ

وأزاحَ غيري حاسداً وكئيبا

فعلوت فيها للمناقبِ قامةً

ورزقتُ منها رضّعاً وشبيبا (3)

وملكت تاجاً للجمالِ متوّجاً

وزهوت منها عالماً وأديبا

ترعى وتزرعُ والجنائنُ خضرة

والكفّ يجمعُ معسلاً وحليبا

ولبست زيّاً للرصافةِ معلماً

يُضفي الوقارَ ويُجمل التهذيبا

أخترت من زهو الحياةِ بساطةً

لم تعرف التسويفَ والتكذيبا

للأرض تحرثُ قانعاً ومؤملاً

فجنيت منها خضرةً وزبيبا

تسعى وتدفعُ في الشوارع محملاً

وتبيعُ فيها جبنةً وضريبا (4)

ونهضت قبل الفجرِ تحلبُ جاثياً

وجمعت عشباً في الحرور رطيبا

يا نخل بغداد الطويل وسعفه

يا طيبة تحوي القلوبَ رحيبا

يا عمّ يا حمل المواجعِ صابراً

عند الكروبِ ويا أعزّ قريبا

أنت العراقُ طبائعاً ومشاعراً

أنت الروافدُ صافياً وشريبا (5)

للموت لم أأسفْ فموتك سنة

والموتُ حقّ لم يحابِ طبيبا

الموتُ فينا رغم لهوِ قلوبنا

والكلّ يسعى للرقيب منيبا

أسفي لفقدك حين قلبي نائياً

عنك الدهور وكنتُ منك قريبا

لم تشبع العينان منك ولم تزلْ

في مقلتيها واحةً وعشيبا

البنتُ تذهبُ للّقاءِ فلم تجدْ

خلّاً يؤانسها ولا تطبيبا

والطفلُ لم ينعمْ برؤيةِ جدّه

والجدُّ يرحلُ موجعاً وغريبا

ياسين يرحمك الرحيمُ برحمةٍ

ويزيحُ عنك مساوئً وكروبا (6)

ويُريك في يومِ الحسابِ مُحمّداً

منه تذوقُ شفاعةً وشروبا

قد أنشبت سننُ المنون بحملنا

لم تُبق منّا صاحباً وقريبا

وتكاثرت فينا كشوكِ براريٍ

وغدت لها أرضُ الديار خصيبا

وتتابعت جمّ الصعابِ فأُشعلت

منها الرؤسُ مناحةً ومشيبا

تختارُ مثل النحلِ فوق بوادي

فتصيبُ فينا زاهداً ونجيبا

جارَ الزمانُ على العراقِ وأهلهِ

فغدا بهم سهمُ المنون مصيبا

وأذاقهم بالنائباتِ مصائراً

وأشابَ منهم جاهلاً وأريبا (7)

حتّى تعالت في العراقِ تذيقنا

من كلّ كربٍ موجعاً وعجيبا

فخرجتُ من بلدِ المكارمِ مُرْغماً

فلقيت دربي عاصفاً وكثيبا

عشنا وربّك غربةً حتّى غدت

فينا المواجعُ مضرباً وضريبا (8)

قد لاحقتنا بالشجونِ كأنّنا

فيها كمن عاشَ الحياة سليبا

لا أهل يجمعنا بهم شوقٌ ولا

خلٌّ يزيحُ عن الفؤادِ خطوبا

رحلت أحبّتنا ولم تحفلْ بهم

منّا العيونُ مودّةً ورغيبا

الأهلُ لم تبخلْ لدينِ محمّدٍ

فتسابقوا للتضحياتِ وصوبا

وتقلّدت كفنَ المنونِ خيارهم

حتّى غدا لونُ العراقِ صبيبا (9)

نفديك يا بلد التقاةِ لترتقي

من كلّ بيتٍ منحراً وصبيبا (10)

ولك القلوبُ إلى العظيمِ تضرّعت

أن لا يريك من الطغاةِ نكيبا