الأنقاض:
ستواصِلُ الأزهارُ مهنتها وتطلعُ في الربيعِ
أمامَ أحداقِ البنادقِ غيرَ آبِهَةٍ بأعباءِ الحِصارِ
فربَّما صارت هديَّةَ طِفلةٍ لأبٍ يعودُ،
وربَّما وخزتْ بجنديٍّ من الغرباءِ ذاكرةَ الطفولةِ فانحنى يبكي...
ستَكسِرُ قِطَّةٌ (حظرَ التجُّولِ)،
والطيورُ تمُرُّ - هازئةً - على الأنقاضِ / تنقرُ حِنطةً وتطيرُ من عَلمٍ إلى علمٍ على مرأىً من (الجنرالِ)،
... مازالَ النعاسُ يشدُّنا ليلاً إلى الأحلامِ /
يأتي مثلَ عادَتِهِ،
ويأتي مثلَ عادَتِهِ الصباحُ مُضَرَّجاً بالبُنِّ،
لا مطرٌ سيُخلِفُ وعدهُ /
يأتي كعادتهِ،
وينضجُ مثلَ عادتِهِ الشعيرُ،
على انتظارِ مناجِلٍ صَدِئتْ كأبوابِ المدارِسِ،
سوفَ يعتادُ الصِغارُ - كغيرهم - في الليلِ أصواتَ المدافِعِ، يلعبُونَ
ويشكرونَ الحربَ إذْ أكلتْ دفاترهم
وأجَّلَتِ العقوبةَ وامتحانَ الشعر...
البيادق:
لا بُدَّ من حربٍ لتكتَمِلَ الحياةُ بموتِهم
هُمْ
نُخبةُ القتلى وأرخصهم دماءً في الحروبِ /
بريدنا للأرضِ إنْ تاقت إلى مطرٍ /
قرابينُ العروشِ /
سلالِمٌ كي يَصعَدَ الأمراءُ
- من عتمِ الهوامِشِ - سِدرةَ التاريخِ /
هُمْ
للقائِدِ المهزومِ أسوارٌ سيُشرِعُها على مرمى الرصاصِ
ويمتطي دربَ الخلاصْ،...
لَهُمُ التسوُّلُ حينَ نُنْكِرُهُمْ
ونَنْسى أنَّهُمْ فقدوا السواعِدَ في الصراعِ نيابةً عنا
لهمْ أن يفرحوا بفتاتنا مثلَ الكلابِ
وحسبُهُمْ دمعٌ خفيٌّ حينَ ننهرهم غدا
لَهُمُ (النياشينُ) الرخيصةُ في احتفالاتِ الملوكِ العاطلينَ عنِ القتالِ /
مدائِحُ الشعراءِ /
زغردةُ النساءِ /
هُتافنا... لَهُمُ الردى
ولنا الحياةُ نيابةً عنهم،
لنا النسيانُ في عيدِ السلامِ كأنهم ماتوا سدى
الوزير:
ظِلُّ الأميرِ،
رسولهُ
ولعلَّهُ الذِئبُ المرابطُ في الصديقِ
يُحَفِّزُ الأبطالَ،
يشحذهم، ويمضي آمِناً
خلفَ المتاريسِ المنيعةِ،
كلَّما اشتدَّ الحِصار يُخاطِبُ الفقراءَ:
أنْ جوعوا ليصمدَ جيشُنا
لكنَّهُ يوماً سيرشِدُهم إلينا حينَ تنهزِمُ الجيوشُ،
خرائطُ الأبوابِ يحملها إليهم /
كِلْمَةُ السرِّ /
الطريقُ إلى مكامنِ خوفنا /
الشجرُ الذي ستراهُ (زرقاءُ اليمامةِ)
لاهثاً فوقَ الرمالِ
كأنّهُ الجهةُ التي ينهارُ فيها الحلمُ،
يأتينا غداً ليُنَكِّسَ الأعلامَ ثمَّ يقودنا أسرى إليهم، باسمِ قاتلنا سَيَحكُمُ دولةَ الأنقاضِ،
يرسِلُ من يُمَثِّلهُ إذا اشتدَّ الحِصارُ؛
يُحَفِّزُ الأبطالَ،
يشحذهم، ويمضي...
الحصان:
الخيلُ تمضي...
هكذا اعتادَ الصغارُ ظهورَ أجدادٍ
فشبّوا يعشقونَ الخيلَ،
لا خيلٌ ولا ليلٌ يُزنِّرهُ الصهيلُ
الخيلُ تمضي...
والذينَ يغادِرونَ
يغادِرونَ لأنَّهم ملّوا الإقامةَ في حِصارِ الأمَّهاتِ
وشَفَّهُمْ حُمْقُ الرجولةِ حينَ زَغرَدَتِ النساءُ فأسرجوا أعمارهم للثأرِ،
ساروا...
لا صدى لنتابِعَ الإيقاعَ،
تخذِلنا الجهاتُ بلا غبارٍ يستثيرُ الصمتَ فينا
كي نُتَمتِمَ: علَّهُ عادَ الرسولُ
بقميصِ أجملهم، تُرى
نَفِدتْ هناكَ شهورهم؟
فاستسلموا للطينِ وارتدّوا إلى رملٍ على أكتافهِ صَعَدَ النخيلُ!
الخيلُ تمضي...
والمكانُ يشُدَّنا
لو كانَ يمكِنُهُ الرحيلُ!
الخيلُ تمضي...
القلعة:
كانوا صِغاراً
كلَّما اجتمعوا على شطٍّ أشادوا قلعةً في الرملِ
وابتدؤوا الحِصارْ
الحربُ لعبتهم،
بنادِقهمْ عصيُّ التوتِ
أو أغصانُ ليمونٍ طريٍّ مثلهم...
كانوا صِغاراً يتقِنونَ الحبَّ والأحلامَ،
ينتشرونَ كالأزهارِ في ملحِ الشواطئِ
يَنْهَرونَ الموجَ إذْ يعلو
وينسحبونَ كالجيشِ الكسيرِ، يوَدِّعونَ قِلاعهم قبلَ اجتياحِ المدِّ،
كم كانوا صغاراً طيبينْ...
كبروا قليلاً أو كثيراً مثلما
كبرتْ غِوايتهم فلوَّثهم رَغيفُ الخبزِ إذْ جاعوا
ولوَّثهُم دَمُ الأطفالِ في ذَهبِ الملوكِ،
قِلاعُهم شَهَقَتْ
وصارَ التوتُ في الأيديْ بنادِقَ
هكذا كبروا
وصاروا يتقنونَ الحربَ من أجلِ الغنائِمِ أو لمتعَتِهمْ
ويَخشونَ الإقامةَ خارِجَ الأسوارِ
إذْ أنَّ الطبيعةَ كُلَّها كَمَنَتْ لَهُمْ إلا القلاعَ لأنَّها
أبداً تظلُّ على حيادِ الطينِ كالمرآةِ لا تبكي على مَلِكٍ يُغادِرُها إذا اشتدَّ الحِصارُ
ولا ترُدُّ خيولَ فاتِحها الجديدْ...
هدنة:
وقتٌ
لنمتَدِحَ الحياةَ،
نعيشها، ونُقِرّ إنسانيةَ الأعداءِ،
فالأعداءُ طينٌ مثلنا؛ جيشٌ تُسيِّرهُ العروشُ
لنزوةِ التاريخِ، لا أحقادَ تدفعهم، ولا أمجادَ، هاجسهم سريرٌ دافئٌ يُفضي إلى الأحلامِ وامرأةٌ ببابِ البيتِ تنتظرُ السُعَاةَ
لعلهم زفَّوا البشائرَ بانتهاءِ الحربِ،
أو عادوا بقمصانِ الحبيبْ،... /
وقتٌ لتزييتِ البنادِقِ،
واقتناصِ فُكاهةٍ للحَدِّ من بؤسِ الخنادقِ /
هامِشٌ
كالنهرِ يرسمُ هدنةً بينَ الجنودِ ليكتبوا لنسائِهم أو يستريحوا في هواجسهم قليلاً /
برهةٌ
ليُودِّعَ الأحياءُ قتلاهم على مهلٍ،
لينتَشِلَ الصديقُ صَديقَهُ،
يسقيهِ ماءً ريثما يُملي وصيَّتهُ الأخيرةَ:
(أوقِفوا الجُنَّازَ في بابِ الحبيبةِ،
وافرشوا التابوتَ زيتوناً وآسْ...)
وقتٌ لتكتَشِفَ الحواسْ
عندَ المحارِبِ ما تُخَبِّئهُ الطبيعةُ من مفاتِنِها
وما للخصمِ من عَتَبٍ علينا:
(كيفَ تنسى أنَّنا أبناءُ هذا الطينِ، دعْ عَنكَ السلاحَ وهاجِسَ الأمراءِ / من زجّوا بنا في هذهِ الحربِ الحقيرةِ...
دونَ قصدٍ سوفَ تقتلني لتحملَ صورتي شبحاً
وتورِث - بعدنا - الأبناءَ ثأراً، بينما يتبادلُ الأمراءُ أنخابَ السلامِ، يقهقِهونَ...
كأنَّنا حجرٌ على (الشطرنجِ) يجمعنا القتالُ
على مسارحهم - سدىً - من أجلِ متعتهم،
ستقتلني لتحيا،
ثمَّ تلقاني أمامكَ كلَّما أسلمتَ روحكَ للنعاسْ...)
الأسود):
يا صاحِبي
نصفينِ كنَّا،
كيفَ مَسَّتنا الرجولةُ فافترقنا،
واجتمعنا ضِفَّتي حربٍ
لتمتَدِحَ الطوائِفُ حربَها فينا،
سنذكُرُ أنَّنا حينَ التقينا تحتَ أضلعنا ارتجفنا:
هل نؤجلُ حربنا بعدَ العناقِ؟
أمِ الرصاصُ سيسبِقُ القُبُلاتِ، حاصرنا التَشَتُّتُ
لم نشأْ أن نُحسنَ التصويبَ لكنَّ الطريدةَ
أيقظتْ فينا الذئابَ ومسَّنا ذُعرُ الطريدةِ
فانتبهنا فجأةً:
الكفُ أقربُ للزنادِ وبيننا الخطواتُ تختصِرُ القيامةَ...
لمْ نُفكِّرْ عندما سَرَتِ الحماسةُ في الأصابعِ
واستَفَزَّتنا النساءُ وراءنا،
كنَّا ارتجفنا
لم نشأْ أنْ نُحسِنَ التصويبَ
لكنَّ الطريدةَ أيقظتْ فينا الذئاب...
الصراع:
كِشْ مَلِكْ