باب ونافذة
بابٌ ونافِذةٌ
وكلُّ الأرضِ دونهما مَنَافِ
والروحُ حولهما حمامٌ لا يريدُ منَ الطوافِ
سِوى الطوافِ
وضِحكةِ امرأةٍ تذُرُّ الدفءَ في القلبِ الفقيرِ
وللعصافيرِ الشريدةِ في دمي قمحَ الكفافِ
بابٌ ونافذةٌ
أمامهما أنا
مدٌّ وجزرٌ
ثمَّ مدٌّ
ثمَّ جزرٌ
ثمَّ يصعدُ في دمي زَبَدُ القوافي
شرفة الانتظار
كنتُ انتظرتُكِ في المساءِ
كأيِّ بحَّارٍ عتيقٍ شاخصٍ في البحرِ
يصطادُ الأغاني
والزجاجاتِ التي تطفو على زبدِ الشواطئِ
علَّها حمَلَتْ بريداً،
وانتظرتُكِ...
مثلَ (شحَّاذٍ) على (الكورنيشِ)
يستجدي التحيَّةَ والسجائِرَ،
وانتظرتُكِ...
لم أقُلْ إنَّي مَلَلْتُ،
ولم أفكِّرْ في اعتذاركِ،
قلتُ تكفيني التحيَّةُ، بل
سيكفيني عبورُكِ مثلَ غيمِ الصيفِ في حلمي
انتظرتُكِ...
لم يكُنْ يوماً طويلاً أو قصيراً،
غيرَ أنَّ الوقتَ غادرني على مَهَلٍ
على مَهَلٍ
فنمتُ كأيِّ مقهىً في المساءِ يوَدِّعُ العشَّاقَ
ثمَّ يَغُطُّ في أحزانهِ
كنتُ انتظرتُكِ...
قلتُ أختَبِرُ القصيدةَ بانتظارِكِ،
قدْ يساعدني شرودي في اختصارِ الوقتِ /
لكنّي انتَبَهتُ إلى ارتباكِ الحرفِ في لغتي،
انتبَهتُ إلى المكانِ يوَدِّعُ العشاقَ،
وانتبهَ المكانُ إلى غيابكِ...
وانتظرتُكِ...
لم أقُلْ إنَّي مَلَلْتُ،
ولم أفكِّرْ في اعتذاركِ،
وانتظرتُكِ...
وانتظرتُكِ...
وانتظرتُك...
شرفة كانون
في الليلِ،
- في الركنِ القصيِّ منَ التأمُّلِ -
أرقبُ الأيامَ عن بعدٍ
وأحصي ما تبعثرَ من رفاقي في بلادِ اللهِ
أذكرهم
وأنصتُ لانهمارِ العمرِ في كانونَ كالثلجِ الحزينِ يُشيِّعُ العامَ العجوزَ،
ويحتفي - مثلي - بزهرٍ يابسٍ بينَ الرسائلِ
كانَ يحملهُ السُعَاةُ من الشمالِ،
وكنتُ أنكِرُ آنَ ذاكَ بأنَّ لي جهةً تشدُّ القلبَ،
لكنَّ الحنينَ وِشايةٌ كالعطرِ تفضحُ لفتَةَ الروحِ الخجولةَ كلَّما ذُكِرَ الشمالُ
ومالَ بي القلبُ الجموحُ (كزهرةِ العبَّادِ)
نحوَ نوافذٍ أكلتْ ملامحَها الطحالبُ /
أذرُعُ (اللبلابِ) والصدأُ العنيدُ...
كأيِّ طفلٍ أحتفي بالثلجِ في كانونَ، أنتظرُ الصباحَ لأرشُقَ الشرفاتِ والقِططَ الكسولةَ قربَ بابكِ
- بابكِ المنسيِّ -
أرمقهُ وأصغي لانهمارِ الثلجِ في روحي الغريبةِ:
ربَّما ابتعدتْ نوافِذنا كثيراً /
أو ملامحُنا قليلاً عن طفولتها
ولكنْ لم يزلْ كانونُ طفلاً
مثلَ عادتهِ يجيدُ الثلجَ /
يرشقنا فتصحو في قساوتنا الطفولةُ /
لم يزلْ...
وأنا كطفلٍ لم أزلْ أهوى التسكُّعَ...
أينما اتجهتْ خُطايَ تُظِلُّني شُرُفاتُ بيتكِ
والجهاتُ الخمسُ تتبعني كظلّي:
في الجنوبِ الأصدقاءُ الخائنونَ يُلَفِّقونَ وشايةً عنا /
الشمالُ بريدكِ السريُّ يهطلُ في المساءِ من النوافِذِ /
لا أحبُّ الشرقَ؛ يَحجبكِ الصباحُ كنجمةٍ /
غربٌ لأفتَتِحَ القصيدةَ في هبوبِ الذكرياتِ /
وقِبلةٌ للحزنِ أنتِ
شرفة الناي
أنا لا أحبُّ النايَ يَكسِرني كصوتكِ.
سروةُ الليلِ العجوزُ تَسدُّ نافِذةً بقلبي
ثمَّ ينقرها الحمامُ -حمامُ صوتكِ -
لا أحبُّ النايَ
نافذةٌ فقطْ
تكفي لينتشرَ الصباحُ على رسائلنا فتصحو،
لم نكُنْ غرباءَ جدَّاً.. إنَّما
للحبِّ منفاهُ الجميلُ
ومهنةُ الناياتِ أدمعنا
أحبُّكِ،
كم أحبُّ النايَ / صوتَكِ
من شقوقِ الليلِ يأتي ثمَّ يُشرِعُ في جِدارِ الحلمِ
نافذةً على أعشابهِا ريحُ الأصابعِ حينَ تنقرُ باتِّئادٍ
قمحَ موعِدنا الشحيح...