خلاالطريق وأحباب الرؤى غابوا
مضى بهم قدرٌ للعمر نهّابُ
كانوا شموساً وكانوا ملءَ أعيننا
فأين مِنّا الألى راحوا وما آبوا؟
من كان منهم على طهرٍ يرافقنا
في رحلة العمر والأيام تنساب
ومن أضاء لنا الدنيا ببسمتهِ
ومَنْ على العلم في المحراب أوَّاب
ومن سعى والمنى تنساب عاطرةً
على حواشي الهَنا والعيش خلاّب
ومن رعى للسّنا يحدو مواكبَنا
ومَنْ بنى مجدنا والخطو وَثّاب
ومن سقانا بكأس الهَدْيِ صافيةً
وكم لكأس الهُدى في الودِّ أصحاب
غابوا وغاب السنا إذ غاب لمْحُهمو
وربَّ ثاوٍ له في التُّرْب أتراب
قد غاب عنا ولا زالت مسامعُنا
تهفو لأصدائه والرَّجْع جوّاب
قد غاب عنا ولا زالت محامدُه
تشعُّ نوراً وما في النور مرْتاب
مضى كحلمٍ بجفن الليل رفَّ على
مهْد الوجود وحيّا وهْو ينْجاب
وربَّ حَيٍّ بدت دنياه غايته
وينبش الغيبَ والآمالُ تكْذاب
يَمْتاح أوهامَه في شطِّ غربتِه
وكيف تمتدُّ بالأوهام أسباب
يمدُّ أحلامه تحدو مطامعَه
وفوقه البينُ في الآفاق لوّاب
حتى إذا انداح ظلُّ العيش وانسربتْ
خطاه صوْبَ الردى والموتُ غلاّب
وأسبل الجفنَ مهدولَ السَّنا وخبا
لَمْحُ الشعاع وغارت منه أهداب
ولفَّه الصمتُ في أدراجه وهوتْ
بالروح ريحٌ إلى الأعماق تنساب
وغاب في هوَّةٍ يطفو الهَباء بها
وتحت سفْح النوى امتصَّتْه أحقاب
مضى ولا دمعةٌ تنساب راعشةً
عند الرحيل ولا حزنٌ وتَنْعاب
كذاك يمضي الذي تُقصيه عزلتُه
عن الحياة فلا صحبٌ وأحباب
أما من انبثَّ نوراً في جوانحنا
فقد تسامى له في الفكر محْراب
في كل فعلٍ وقولٍ منه بادرةٌ
من العطاء وما في البذل إطناب
في كل لمحة فكرٍ منه بارقةٌ
من الحجا وحديثٌ منه خلاّب
إنْ غاب عنا ففي ذكراه تذكرةٌ
لا الذكرُ يَفْنَى ولا الأصداء تَنْجاب
إيهٍ أحبَّتَنا شطَّ النوى بكمو
والقلب يطوي الأسى والحزن تَسكاب
كم ذوَّب الدهرُ في كأس الردى مهَجاً
والدهر ضرْعٌ بكفِّ الموت حلاّب
دلاَّل سوق المنايا فضَّ سامرنا
ورُبَّ سوقٍ تلاشى وهْو صخّاب
لكنَّما القبر يوماً سوف يجمعنا
والقبر دربٌ لساح الموت جلاّب
كائنْ ثَوى منكمو في اللَّحد نضَّره
فاللَّحد روضٌ وجنّاتٌ وأعناب
إمَّا دُعيتم إلى الجنات فاستبقوا
فكم توالت على الجنّات أسراب
وكم تَهادَى بركب الخلْد مرتحلٌ
وموكبُ الخلْد حارت فيه ألْباب
ياصحبةَ الأمس والآجال تمضي بنا
صوبَ المغيب وكم للغيب أبواب
طوبى لكم جدتمو بالروح غاليةً
يا طيبَ مَنْ برياض الخلد قد طابوا
ما بين حورٍ وَولدانٍ تطوف بهم
بين النعيم أباريقٌ وأكواب
دارت عليهم براحٍ شفَّ سلسلُها
كواعبٌ في جنان الخلد أتْراب
يُسقَوْن من ريِّها خمراً مشعشةً
طاب الرحيق وما في الخمر إغراب
ما بين رَوْحٍ وريحانٍ منعَّمةٌ
أرواحهم تحت عرش النور تنساب
على مِهادٍ من الفردوس لفَّهمو
فيضٌ من الطهر في أعماقه ذابوا
هذا هو النور يا أحبابُ فاندفِعوا
إلى سناه وَذُوبوا فيه وانسابوا
إنا على العهد حتى نلتقي بكمو
نهدْهِدُ الشوقَ حين الشوقُ ينتاب
يا ليت شعري إذا فاض الحنين بنا
هل يُرجِعُ الشوقُ مهما لَجَّ مَنْ غابوا
لا لن تعودوا لعَمري إننا بشرٌ
نفنَى ويبقى على التذكار أحباب