يا ناعس الطرف في ركنٍ من الحَرَمِ
أرَّقتَ قلبي فلم يغفل ولم يَنَمِ
بين الجوانح غِرّيدٌ بكاظمةٍ
ونورُ طيْبةَ والبطحاءِ من إضم
من طيب بُردك في مسرى النسيم به
تضوَّعَ الورد في الأكمام والأكم
واختالت الأرض لما قد مشيتَ على
ممهودها فأغارت سابح الرُّكُم
رجوتَ شُفعته رجوت لفتتهُ
يوم الزحام، وذنبي في الكتاب طَم
يسَّابق الخلقُ في ظمْءٍ على ظمأٍ
للشهد سلسالهُ من حوضك الشبِم
أمْلا أعبُّ رحيقَ الشهد في نهمٍ
من راحتيك، فقلبي للشراب ظمي
كن لي فلا عملٌ أرجو به أملاً
وقد سعت في خطايا الدار بي قدمي
أسرى بك الله كي يهديك آيته
في ليلةٍ - كرُمَتْ - لألاءةَ القيم
الكون لم تلقه من قبلُ سابحةٌ
سبْحَ الكواكب فوق المزن والسحم
لم تسْرِ قبلُ على رطبٍ ولا يَبَسٍ
مثل الجياد، أو المطهومة الرُّسُم
بيضاء في سندس المأوى منوَّرةٌ
في جيدها اللؤلؤُ المكنونُ من قِدَم
تزهو بآلَقِ غرَّتها ورونقها
زهو المعطَّر من بانٍ ومن عَنَم
سيقت إليك ركابًا في السرى عطرًا
لم يرقَ صهوتَها أيٌّ من النسَم
قاد الأمين سُراها بين حاشيةٍ
من الملائك بالإجلال والعِظم
تحدو ركابك في الآفاق كوكبةٌ
من البدور، سرَتْ في حالك الظُّلَم
والشمسُ غيرى، فلا للركب تابعةٌ
ولا حباها هناء الصحب والحشم
ترنو إليك بمسراها مهمهمةً
لولا المقادير، رادت كل معتصم
ركبٌ يرفُّ جلالاً خفَّ من حرمٍ
ألِقِ المنارات والمسعى إلى حرم
بمسجد القدس، والرسل الكرام به
يشَّوَّقون للقْيا صاحب العلم
أَمَمْتَهم في صلاةٍ لم يُصَلَّ بها
في العالمين، بجمعٍ من ذوي عِصَم
تضوَّأَتْ قبلةُ الأقصى بساطعةٍ
من وجنتيك وفازت منك بالأمم
هذا مقامك يا مبعوث خاتمهم
خير النبيين فيهم خير مختتم
يا سيد الرسل قد أوتيت منزلةً
دقَّتْ عن الوصف واستعصت على الكلم
فلا ابن مريم في مرقاهُ أدركها
ولا ابن داود ذو التاجين والخدم
عرَّجْتَ للسدرة الفرعاء في درجٍ
سامي المقام علا عن طوقِ مُستنِم
يطوف بالذكر في أفنانها زمرٌ
من الملائك، في الأضواء لم تدم
فرعاءُ زيَّنها الياقوت في نضدٍ
واللؤلؤُ الدُرُّ في نثرٍ ومنتظم
رأيت من آية الرحمن ما عظمتْ
عن البيان وعن فهمٍ وعن فَهِم
حفلٌ من النسق الأعلى ومرتبةٌ
محت أذى كلِّ باغٍ كائدٍ خصِم
منازلٌ رفع الرحمن سدّتها
تزينتْ لرفيع الشأن والشيم
محمدٌ يا حبيبي قد بُعثت هدًى
لأمةٍ بك أضحت أخيَرَ الأُمم
كان الضلالُ بها ظلماء معتمةً
تلفُّهم في غواشي ليلها البَهِم
نسوا حنانك في كِبْرٍ أحَطَّ بهم
وأوغلوا خلف باغٍ مذنبٍ أثِم
أحببتَهم يا حبيب الله فانتفضوا
أسْدًا حماةً لدين الله في شَمم
جابوا البلاد براياتً مطرزةٍ
باسم الإله، وشدّوها على الأُطُم
يا سيد الرسْل قدْري ما اقتربت به
عجزًا فسَعْهُ بمأمولٍ من الكرم
عذرًا، فما أنا إلا هائمٌ دنفٌ
يرجو الشفاعة يوم النازل العمم
كل الأنام يرَجّي فيك مأمنه
يا رحمة الله في الدارين من قِدَم
عييتُ عن وصف ما قد نلتَ من شرفٍ
لك السيادة، في عرْبٍ وفي عجم