تخطَّ إلى المحتوى

الصبح حمامة مجرحة

غير معروف

١١٦ بيت

المتفرقات

الصبح حمامة مُجرّحة

ترفً ناعسة لا تفيق

تطل كل يوم من خبيئة شمس نهار غارب في شقوق الحيرة

تنقر ما تبقى من بقايا الظلمة المكورة

على الأرض المقدسة

تطّاير منها حبيباتٌ متآكلة من خفايا الليل

تلقمها بمنقارها المرتعش التائه

في فضاء حي أجياد القديم.

هناك صخرة منزوية تحت جبل أبي قبيس

عليها وشوم تاريخ عتيق باكٍ

يضوع رؤىً و أسىً و شواهدَ

وشخوصًا وسرائرَ

ودهشاتٍ مريرة تلمع

وأحزانٍ باهتة منذ أدهر سوداء

ضاربة في عروق ذاكرة وجع صامت

عن كبرياء قديم

لطالما تحرّش بها مطرٌ غريب

يساقط ماءً مجهولًا

يشبه لون اليأس في دم الوليد

ولطالما تحرشت بها ريح رمادية الهبوب

وحيدة

تنزع للثبات الضرير الذي لا يبالي

بالتهدج والتفاني الحزين

يبصق عليها سابلة طريق ضال

خشن

مريض بالخطايا السحيقة

تصطدم بها عربات

ذات ألوان تافهة الشروق

تثير شفقة الوجود

لا تفرق بين الخشوع الصائم عن العته

ولا النفاق العاهر الأصم

هاهي ذي تدحرجت أخيرًا لمثواها الأخير

تحت ركام الهدم الحديث

الساقط شرّا كالرجم الحقير

في مكة المنهمرة صموتًا مقدسًا طويلًا

أطول من تاريخ الهجرة البريرة

وتاريخ البرية

صموتًا هاجعًا عزيزًا لا يثور

محمدًا لامعًا

كتِبْرٍ فيه نفخة من ألوهة

وسط ضجيج مارد

عَنِين وأثيم

يصرخ بصوت قبيح

وحشي الملامح و الأذرع

هوت أخيرًا كملاك أخير

لم يرها

أو يشعر بها

غير شاعر مخموم البريق والشجن المضئ

مكسور القلب لايرفّ

مكلوم التعبير كاسف أسير.

وعلى أطراف المدينة الهاجعة

تحت هاجرة الصيف

(البِلالِي) الملامح

لم تزل شجرة عظيمة

محتدة العروق بجذوع كامرأة عجوز

قد لاكَت الصبر فتيبّست

وهي كارهة للريح والنسيم

لم يرأف بها الوجود المهموم

أو يسقها الماءَ مزنٌ حائرة

أو حتى يبادلها الحفيفَ ولو بأجنحة مجهولة

أو أشرعة ضالة

ولا تقاسم معها فرحةَ قمر حنّ لعبوره بينها

ذات إعدام نخيل قديم

مضيئا مواسيًا

لم تجد في انكسارها البئيس الأخير

غير أحد المجانين

الهائمين كثيرا

كجراد أغبر سكير

في شوارع مكة المشحونة بالسهد

والارتباك وصنوف السخط والضجر

والضلالات الشاردة

والباعة والأدخنة

وهوام البشر الخارج بعضهم عن إطار الأنسنة

كان مجنونًا هاربًا

أشعث الصورة خائف العين

مكسور الفهم، درويش التعاطي

التقى الاثنان يستعبران

هي بالحفيف اليابس الحزين حتى يسّاقط الورق

مذهولًا لا يبين

إلا عن نظرة مبعثرة في تخوم العلو

وهي تلتاع بحفيفها العسر

ضجرة

بالشيوع يباسًا وعراءً

بينما هو بالتهويم المتهدج الباكي تارة

بصراخه المباغت كديك مفزوع

وتارة بتلويحاته العمياء الشاردة في كل اتجاه

وضحكه المبكي المخنوق معنىً وفهمًا

كلها إشارات منهما

تلمع في كل طريق

كان قد قرأ كل أسارير الخُطا العشواء

والناصعة

وتسرح في كل حي قديم

لم تزل تشرب منه الروح ماءها

يستعبران معًا

على كثير من الأشياء

التي لا يشعران بها إلا بالنشيج

الحميم

الذي يشبه الأنين في متحف مكة

الصامت عن ماء في الفم قاهر

هذه الزجاجة التي تكسّرت على مرأى من أعين الليل

لم يقرأ شظاياها غير طريق غريب

مرت به صدفة

عندما لفظتها الريح

استقرت عند واد فاطمة

كأنها تتأمل آثار من مضوا للرحيل

يحدوهم نشيد غيرة يعربية

وأهازيج أخرى

بدوية بين زرقاء وحمراء

لا يسكته

غير جوعهم العاري

على مفارق الأرصفة البائدة

كتاريخ ثمود

أو شهوة النهب لأجل الحياة

في رمل كريه

وهم ينعمون بصفة البياض

في لوعة الذَّنْب .