تنامين والدنيا سباقُ ومكسبُ
وكل البرايا من تراثك تنهبُ
وأنت التي أحدثتِ في العقل ثورةً
عقمْتِ وصار الجاهل الغِرُّ ينجب
فيا أمَّتي ما بالُ روضِك مجدبًا
ورمل الصحارى في لظى الحر مخصب
ويا أمتي ما بال ركبك جاهدًا
وركبُ الموالي والحُثَالات يهدب
ملأت حياض العلم عذبًا معطَّرًا
وها أنت عطشى والجهالات تشرب
ففي كل قفرٍ من عطاياك منهلٌ
وفي كل أفْق من هداياك كوكب
وأي ظلامٍ لم تَشُقِّي سواده
بنور يعوم الدهر فيه ويرسب
وقد ظَلَّ هذا الكون يدلف حائرًا
وتدفعه الأهواء آنًا وتجذب
فما فيه إلا شهوة الشر قائد
وما فيه الا شرعة الغاب مذهب
فجادَ عليهِ الله بالنور والحِجَا
وجلَّله بالخير مذ جاء يعرب
ويا أمتي أين المغاوير؟ فالحمى
خراب يصيح البوم فيه وينعب
ففي كل روض للنفايات مرتع
وفي كل قصر للعصابات مَنْهَب
وفي كلِّ ركن للمطامع وُكْنَةٌ
وفي كل حكم للأجانب ملعب
أفيقي أفيقي جادك الغيث إنني
لمجدك أستل اليراع وأكتب
لعل قريضي يوقظ النخوة التي
تعيد لنا عزًا له النصرُ مركب
ففي مشرق الدنيا لمروان بيرقٌ
وفي المغرب الأقصي لواء وسنجق
يُطِلُّ على البحر العظيم كأنه
منارٌ يَضيع الفجر فيه ويغرق
ومروان نَسْرٌ جلل الكونَ جنحُهُ
وخيراته في واسع الأرض ترفق
فمن جنده المنصور في الصين فيلق
يقابله في جبهة القوط فيلق
أفاء على أرجائها في فتوحه
مع السيف علمًا كالشآبيب يهرق
ليمحو من أوروبةَ الجهلَ والغبا
ويلقي على الإقطاع نارًا ويحرق
أهابت به أسياف موسى وطارق
فهبَّ على آثارها يتدفق
يدكُّ حصونَ القُوط دكًا كأنه
بوارق إعصار تشل وتصعق
فمادت عروشٌ واستبيحت معاقلٌ
كَأَنْ لم يكن مَلْكٌ هناك وبيرق
وبات وطيف النَّصر طوع ركابه
وأعلامه في ذروة المجد تخفق
وبات رؤوس القوم رهن يمينه
كأنهمُ في معرض اللهو بيدق
وضُمَّتْ الى تاج «الوليد» لآلئٌ
غوالٍ وأعلاق تشع وتشرق
فإسبانِيَا ظلٌّ ظليل وسلسل
وأهراء خيرات تفيض وتغدق
فأقطعها خير الولاة ليصلحوا
مفاسد «لذ ريق» الظلوم ويرتقوا
فَأَحيَوْا مواتًا ثم شادوا منائرا
يفوح بها عطر العلوم ويعبق
ومرَّتْ سنون حافلات تفجرت
بها نخوة الأعراب رعدًا مُلَعلعا
تزلزل عزم القوط أَنَّى توجَّهَتْ
وتنثر من أجنادهم ما تجمَّعا
وتركز في أعلى «البرانس» سنجقًا
يطل على الدنيا فخورًا مشعشعا
وينشر من أمجاد يعرب نفحة
تضيق بها الأجواء مثوىً ومرتعا
فكم شاهد «الغارون» من وثباتها
عجائب لم ترو التواريخ أبدعا
وكم أقلق «اللّوارَ» منها مواكبٌ
تخر لها هام المغاوير خُشَّعا
تهب على تلك السهول كأنها
تباشير إعصار تغَنَّى وروعا
ويدْوِي صهيل الأعوجيات في الفضا
كما ينشر البركان صوتا مزعزعا
فما جبلٌ إلا ومادَتْ أصولُه
وما مَعْقِل إلا وَهَى وتصدَّعا
وأفناؤهم مأوىً لكل مشرَّدٍ
وأحضانهم أضحت ملاذًا ومَفْزَعا
ومرَّتْ ليالٍ حالكاتٌ غدت بها
عباقرة الهيجاء نهبا مُوزَّعا
ودبَّ دبيب الانقسام وبعثرت
مزايا حباها المجد قلبا ومسمعا
وكان ختام الفتح خطًبا مجلجلا
تعالى صداه في الميادين مُفْجِعا
بمعركة هبت «بتولوز» نارُها
ولاقى بها «السمحُ بن مالك» مَصْرَعا