مضى من غدا للساسة المثل الأعلى
بأفعاله وصّى بأقواله دلاّ
لقد كان شمساً وانطوى اليوم نورها
ولم نرَ شمساً مثلها في السما قبلا
إذا ما حرمنا اليوم أنوار شمسه
فإنّا جميعاً نستفيئ له ظلاّ
مضى لم يفاخر أو يبشّر بنفسه
وأفعاله كانت تذيع له الفضلا
مضى زاهداً بالحكم والمجد والعلى
فقد كان قديس السياسة أو أعلى
وكم عاف حكماً وانزوى مثل ناسكٍ
ليُملي من الآداب أفضل ما يُملى
بكيت عليه حين مالي نسبة
له غير نهج الحق والغاية المثلى
بقلبي قد أحسست شعراً لفقده
يروم انفجارا فانبرى دافقاً سهلا
لقد كانت الآمال معقودة به
فولّى وما نرجوه من أملٍ ولّى
وقد كان في ركب السياسة هادياً
فغاب وكل الركب من بعده ضلاّ
وكان أبا الأخلاق قولاً وسيرة
وقد مات فالأخلاق من بعده ثكلى
وقد صار في كل النفوس ممثّلاً
فأصبح من تمثاله المعتلي أعلى
وكان عظيماً فاتحاً غير سافكٍ
من القتل لم يرهب ولم يعشق القتلا
وكان أديب القول والفعل والحجى
وكان مثال الحق يعلو ولا يُعلى
أتى للدنا نجماً غريباً بنوره
وقد غاب لمّا لم يشاهد له مثلا
وذي دمعة الإخلاص تهدى لروحه
وما انهمرت الا بأمثالها تتلى
فيا رب أدركنا بنجم مثيله
إذا ما ظلام الحكم في العالم استولى
لقد عشقت فيه الرئاسة كُفْأها
فكان لها أهلاً وكانت له أهلا
وقد ترك الدنيا تشيد بمجده
وأفعاله في كل مكرمة تتلى
بكته شعوب كان حرّر رقهّا
ولم ترض عنه حين حررّها فضلا
ومن ينشر الاحسان يخضع له الورى
ولم يجدوا عند الخضوع له ذلاّ
كذا فليكن نهج الرئاسة واضحاً
كذا فليكن صعب الوصول لها سهلا
وكان مثال الفضل لكن مجسمّاً
نشاهد فيه العز والفضل والنبلا
وقد كان حراً للتحرّر ناشراً
ولم يك عبداً يشتهي للورى غلا
فكان مثال العرب إذ حرّروا الورى
لأنهم الأحرار في حكمهم قبلا
مضى زاهداً بالمجد حتى بموته
فأوصاهمو أن لا يقيموا له حفلا
كذاك الزعيم الحق فليحْي وليمتْ
كذا فليكن قد خصّ تشييعه الأهلا
دروس لنا من موته وحياته
ففي عيشه والموت قد علّم الكلا
ولست براث شخصه اليوم في الورى
ولكنني أرثي به المثل الأعلى