قَالُوا: (سَيُدْرِكُ مَنْ تُعَامِلُهُمْ بِلُطْفٍ أَنَّ لُطْفَكَ خِفَّةٌ وَسَذَاجَةٌ وَحَمَاقَةٌ).
سَكَتُوا عُصُورًا.. ثُمَّ قَالُوا: (أَنْتَ تَعْرِفُ مَا الَّذِي يَعْنِيهِ هَذَا جَيِّدًا).
كَانُوا يَرَوْنَ بَرَاءَتِي قَيْدًا يُسَلِّمُنِي لِجَلَّادٍ لِيَشْرَبَ مِنْ دَمِي.
حَزِنُوا عُصُورًا وَاشْتَرَوْا بُؤْسِي وَشَكِّي وَانْهِزَامَاتِي وَقَلَّةَ حِيلَتِي.
أَجْلِسُ هَا هُنَا في الْقَلْبِ أَوْ فِي الْجَوْفِ مِنْهُمْ.. أَجْلَسُونِي فَوْقَ وَجْهٍ ثُمَّ غَطَّوْنِي بِرِفْقٍ وَارْتَخَى فَوْقِي قِنْاعٌ فَالْتَزَمْتُ بِتَخْتَتِي وَتَقَمَّصُوا وَجْهِي،
ووَجْهِي فِي الْحِيَادِ وَرُبَّمَا بَاعَ السَّذَاجَةَ والْبَرَاءَةَ وَالْغَبَاءَ وَطِيبَةً حَتَّى اشْتَرَوْا.
اَلْبَعْضُ..
يَضْحَكُ فِي تَشَّفٍ هَا هُنَالِكَ حَيْثُ تَحْتَضِنُ الْمَنَاظِيرُ الْبَنَادِقَ.
بَعْضَهُمْ..
يَأْسَى وَيُشْفِقُ فِي صُفُوفِ مُدَرَّجٍ يَلْتَفُّ حَوْلَ سَرَابِ مِضْمَارِ السِّبَاقِ،
وبَعْضُهُمْ،
أَعْنِي الْأَسَاتِذَةَ الَّذِينَ تَحَقَّقُوا مِنِّي وَظَنُّوا أَنَّنِي التِّلْمِيذُ حَتَّى أَبْصَرُوا وَمْضَ التَّحَدِّي في خَبَايَا نَفْسِهِمْ لَمَّا أَسَرُّوا فُرْصَةً، يَرْنُو كَمُخْتَلِسٍ لِنُهْزَتِهِ لِيَقْنِصَ صَيْدَهِ.
طَمَعٌ يُدَاعُبُ أُمْنِيَاتِ خُمُولِهِمْ
اَلْبَعْضُ..
جَاءَ لِيَطْمَئِنَّ عَلَى وُقُوفِي فِي مَكَانِي حَيْثُ نَضْحٌ فَائِضٌ حَوْلِي وَمَاءٌ في طَرِيقِي رَاكِدٌ.
مِنْ دُونِ تَفْصِيلٍ مُمِلٍّ؛ قِصَّتِي:
"مُذْ فَاضَ (مَاءٌ)؛ ظَنَّ بَعْضُ الْعَابِرِينَ بِفَيْضِهِ عَنْ حَاجَتِي وَاسْتَكْثَرُوهُ عَلَى وُقُوفِي مُفْرَدًا"
مَاءٌ وَطِينٌ وَالتَّكَتُّفُ بِالْحِبَالِ وَمَغْرَزٌ وَيَقُصُّ مِنْظَارُ الْمَيَادِينِ الرُّؤَى.
هَلْ جَرَّبُوا مِثْلِي..
تُرَى هَلْ جَرَّبُوا تَجْمِيلَ طِينٍ فَاضَ فِي مُسْتَنْقَعٍ أَوْ صُنْعَ تِمْثَالٍ بِوَضْعِ الطِّينِ فَوْقَ الشَّمْسِ
أَمْ
قَامُوا بِرَمْيِ شِبَاكِهِمْ فِي مَنْبَعٍ؛ لِلصَّيْدِ مِنْ سَمَكٍ تَرَبَّى دَاخِلِي
أَمْ
جَمَّلُوا أَشْكَالَهُمْ أَمْ عَبَّدُوا مِشْوَارَهُمْ مِنْ طِينَتِي،
هَلْ أَوْجَسُوا خَوْفًا وَهَابُوا حِينَمَا سَرَقُوا اخْتِطَافًا نَظْرَةً مِنْ خَلْفِ ثُقْبِ الْبَابِ أَنْ يَجِدُوا الَّذِي هُوَ وَاقِفٌ مُتَحَرِّكًا؛ يَجِدُوا الَّذِي هُوَ سَاكِنٌ..
أَمْ
أَوْجَسُوا أَنْ يَفْقِدُوا أَثَرِي بِهِمْ،
هَذَا الَّذِي أَفْضَى بِهِمْ أَنْ يَطْمَئِنُّوا أَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا زَالُوا بِخَيْرٍ..
هَلْ وَدَدْتُ لِمَرَّةٍ لِأَسُلَّ صَوْتِي كَالْعَصَا وَأَبُثَّ حُزْنًا: (إِنَّكُمْ لَسْتُمْ بِخَيْرٍ كُلَّمَا..).
اَلصَّمْتُ لَا يَقْوَى عَلَى إِخْفَاءِ حِبْرِ رَسَائِلِي لَكِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا.
واسْتَدْرَكُوا فِي جَدْوَلٍ:
(حَسَنًا؛ مُقَارَنَةً بِهِ وَبِحَالِهِ..)
نَفَسٌ عَمِيقٌ؛ إِذْ رَضَوْا عَنْ نَفْسِهِمْ.
(إِنْ لَمْ أَكُنْ مِعْيَارَهُمْ..)، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَفْقَهُوا
اَلْبَعْضُ..
عََضَّ عَلَى أَصَابِعِهِ وأَلْقَى فَوْقَ وَجْهِي حِقْدَ مَكْبُوتِ الْعَوَاصِفِ..
والْغُبَارِ فَلَمْ يَرَوْا.
شَنَّ الْغُبَارُ مَعَارِكًا.
اَلْبَعْضُ
أَلْقَى بِالْقِمَامَةِ
فِي طَرِيقِي
أَوْ
أَمَامَ الْبَابِ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ جَرَسًا يُصَرِّخُ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ..
وفَرُّوا وَاخْتَفَوْا.
أَأُكَهْرِبُ الْجَرَسَ الْمُؤَدِّيَ لِانْدِثَارٍ لِلْمَسَافَاتِ الرَّحِيبَةِ بَيْنَنَا؟
اَلْبَعْضُ..
خَبَّطَ فَاسْتَجَابَ الْبَابُ
لَكِنْ..
لَا أَرَاهُمْ بَعْدَمَا مَرُّوا خِلَالِي أَوْ عَلَيَّ
وإِنَّمَا
أَبْصَرْتُ رَائِحَةً تَهَادَتْ مِنْ دِمَائِي ذَاتَ طَعْمٍ مِنْ حَدِيدٍ مَعْدِنِيٍّ تَحْتَ أَقْدَامٍ لَهُمْ.
اَلْبَعْضُ..
جُرَّ مُمَغْنَطًا وَمُنَوَّمًا.
نَحْوِى يَسِيرُ بِطَهْقَةٍ وَتَسَرُّعٍ فَتَسَرَّبَ الْمَلَلُ الَّذِي قَتَلَ انْجِذَابًا في مِسَاحَةِ قُرْبِهِ.
شَغَفٌ تَوَهَّجَ لَحْظَةً فَفَنَاؤُهُ في لَحْظَةٍ.
اَلْبَعْضُ..
(أَسْتَذَنِي) أَمَامَ الْآَخَرِينَ مُتَاجِرًا بِالْعِلْمِ والتَّلْقِينِ عَنِّي نَاثِرًا وَرْدَ الْمَدِيحِ وَرَاءَ ظَهْرِي.
ثُمَّ جَاءَ الْآَخَرُونَ الْمُنْصِتُونَ الْحَالِمُونَ وَصَدَّقُوا مَا قَالَهُ عَنِّي،
وقَالُوا: (إِنَّهُ نِعْمَ الصَّدِيقُ وَإِنَّهُ نِعْمَ الْوَفِيُّ..) وَكَرَّرُوا فَهَزَزْتُ رَأْسِي،
ثَمَّ جَاءَ مَنِ احْتَوَانِي بِالْمَدِيحِ لِيَسْتَزِيدَ مِنَ الدِّلَاءِ لِكَيْ يَبِيعَ لَهُمْ نَدَى مَائِي النَّقِيِّ فَلَمْ يَجِدْنِي.
ثَمَّ غَادَرَنِي وَقَالَ لَهُمْ: (أَهَذِي، يَا رِفَاقِي.. يَا عَرَائِسَ مَسْرَحِي، عُقْبَى الَّذِي بَاعَ الْبِضَاعَةَ وَالْجَمِيلَ..)
فَغَادَرُونِي..
ثُمَّ أَرْدَفَ بَعْضُهُمْ يَأْسُوهُ في زَمَنِ الدِّرَامَا وَالْأَسَى: (كُنْ طَيِّبًا وَاغْفِرْ لَهُ، هَذَا الْمُعَذَّبُ رُبَّمَا لَاقَى زَمَانًا قَاسِيًا أَوْ صَدْمَةً غُسِلَتْ طُفُولَتُهُ بِهَا، أَنْتَ الْحَمُولُ فَكُنْ مَلَاكًا دَائِمًا..).
وتَسَرَّبُوا أَيَضًا وَذَابُوا كَالْهُلَامِ وَغَادَرُونِي لَاحِقًا.
فَهَزَزْتُ رَأْسِي وَابْتَسَمْتُ وَغُصْتُ فِي صَمْتٍ مُرِيبٍ وَالْعَرَائِسُ بِالْخِيُوطِ تَحَزَّمَتْ.
وأَطَلَّ غِرْبَالٌ وَحِيدًا عَالِقًا.
اَلْبَعْضُ..
دَسَّ هَشَاشَتِي بِمُكَبِّرِ الصَّوْتِ الْكَتُومِ وَقَالَ لِي: (قَلَّلْتَ شَأْنَكَ في عُيُونِ الْآَخَرِينَ
وأَغْلَبُ الْأَسْوَاقِ يَغْزُوهَا بِرِيسْتِيجٌ وَكَارِيزْمَا..)،
ومَا زَالَ الْمُكَبِّرُ في الشَّوَارِعِ سَائِحًا لِيَبِيعَ حَاجَاتِي الْقَدِيمَةَ لِلْجَمِيعِ وَيَشْتَرِي.
ويَقُصُّ بَيَّاعُ الْجَرَائِدِ قِصَّتِي.
وأَنَا أُشَمِّرُ ذَيْلَ بِنْطَالِي وَأَرْفَعُ فَوْقَ كِتْفِي بُقْجَتِي؛ تِلْكَ الَّتِي حَضَنَتْ بِأَيْدِيهَا وَأَرْجُلِهَا تَلَابِيبَ الْعَصَا خَوْفَ السُّقُوطِ كَذِكْرَيَاتِي وَالْهَوَى.
الْبَعْضُ..
يَبْنِي في مَسِيرَتِهِ حِكَايَتَهُ عَلَى مَا كُنْتُ أَوْ مَا سَوْفَ..
كَانُوا وَاثِقِينَ إِذَا مَا جَرَّبُوا نَفْسَ الطَّرِيقِ وَجَوَّدُوا أَنْ يَقْبِسُونِي حَيْثُمَا الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ؛ ظَنُّونِي (عَلِي بَابَا)، فَحَاكُونِي وَزَادُوا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ مِنَ اجْتِهَادٍ عَلَّهُمْ يَتَجَاوَزُونَ ظِلَالَ خَيْلِي فِي مَيَادِينِ السِّبَاقِ، وَلَا سِبَاقَ يَلُوحُ لِي.
(يَا (سِمْسُمُ) افْتَحْ لِلدَّرَاوِيشِ الْمَغَارَةَ يَا أَخِي)
شَقُّوا رَغِيفًا.. أَقْسَمُوا أَنْ يَسْبِقُونِي في الْمَدَى..
(أَنْ يُدْرِكُوا شَطَّ الْوُصُولِ)؛ كَمَا أَنَا، قَالُوا لِجِنٍّ كَانَ مَحْبُوسًا بِمِصْبَاحٍ وَحَكُّوا فِي الصُّدُورِ طُمُوحَهُمْ،
لَكِنَّنِي مُذْ كُنْتُ غَضًّا صُغْتُ بِالطَّبْشُورِ تَعْرِيفَ الْوُصُولِ بِأَنَّهُ: "الزُّهْدُ الْمُقَدَّسُ فِي الْوُصُولِ"
لَذَا فَلَنْ يَصِلُوا لِشَطِّي
لَنْ يَكُونُوا!
مِثْلَمَا هَذَا الْمُحَاكَى
لَنْ يَكُونُوا!
غَابَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَنْ يَقْبَلُوا زُهْدًا وَإِدْمَانَ التَّحَرُّجِ مِنْ وَصُولِ الْبَحْرِ بِالطُّوفَانِ حَتَّى يَسْتبِيحَ بُزُوغَهُمْ.
إِذَا رَادُوا مُحَاكَاتِي فَمِنْ شَرْطِ التَّنَافُسِ أَنْ يَكُونَ مُحَدَّدًا فِي الَّلا وُصُولِ وَأَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ
اَلْبَحْرُ
يَحْوِي
أَوْ
يَفِيضُ
ويَشْتَهِي غَرَقَ الْمُرِيدِ
ولَا يُفَكِّرُ فِي الْوُصُولِ
الْبَحْرُ: تَرْجَمَةُ الْمُحِيطِ عَلَى الشِّفَاهِ وَقَبْلَ أَنْ يُدْرَى قَدِيمًا مَا الْمُحِيطُ..
الْبَحْرُ: تَارِيخٌ عَتِيقٌ رَاسِخٌ
اَلْبَحْرُ:
غَدَّارٌ- بِحَالَاتٍ- مِزَاجِيٌّ- مُقِيمٌ- لَا يُبَارِحُ- لَيْسَ يَبْلُغُ..
هَلْ تَطَلَّعَ كُلُّهُمْ
أَنْ يُصْبِحُوا بَحْرًا
مُغِيرًا ذَا عَرِينٍ رَابِضٍ أَوْ سَاكِنًا أَوْ نَافِذًا مِثْلَ الْمَحَاجِمِ حِينَمَا تَمْتَصُّ غَرْقَى نَحْوَ أَذْرُعِ أَخْطَبُوطٍ
أَمِ تُرَى رَغِبُوا عُبُورًا عَبْرَهُ
هَلْ غَرَّهُمْ بَعْضُ السُّكُونِ
وغَرَّهُمْ مَدٌّ وَجَزْرٌ يَرْتَدِي نَمَطَ الرَّتَابَةِ
أَمَ عَلَى أُفْقِ التَّمَوُّهِ وَالتَّمَوُّجِ غَرَّهُمْ زَبَدٌ كَوَشْمٍ يَنْجَلِي حِينًا وَحِينًا يَخْتَفِي
اَلْبَحْرُ: مِرْآةٌ لِصُورَةِ وَجْهِهِمْ وَجَمَالِ بَدْرٍ فِي السَّمَاءِ
هُوَ انْعِكَاسٌ لِلْقَبِيحِ وَلِلْجَمِيلِ وَلِلرُّخَامِ وَللصَّفَاءِ وَلِلْفَضَاءِ وَلِلزِّحَامِ وَلِلحِيَادِ وَالِانْحِيَازِ وَلِلضَّغِينَةِ وَانْتِفَاضَاتِ الْغَوَارِبِ وَالنُّفُوسِ وَلِلنِّيَامِ وَلِلِّئَامِ وَلِلسَّلَامِ
الْبَحْرُ مِقْيَاسٌ لِعُمْقِ قَرَارِهِمْ
جِنِّيَّةُ الْبَحْرِ الَّتِي اخْتَطَفَتْ صَدَى تَفْكِيرِهِمْ
قَالُوا: (سَيُدْرِكُ مَنْ تُعَامِلُهُمْ بِلُطْفٍ أَنَّ لُطْفَكَ فِطْرَةٌ وَطُفُولَةٌ وَبَدَاهَةٌ).