«من رماد نولد … ومن النور ننتصر»
الفصل الأول: فجرُ الوراثةِ والحديد (1970–1979)
بداية الحكم الحديدي، وتحويل سوريا إلى دولةٍ بوليسية.
أَقُولُ وَقَدْ ضَاقَ الزَّمَانُ بِصَفْحَتِي
وَتَاهَتْ نُجُومُ الشِّعْرِ فِي أُفُقِ الحِقْبِ
سُورِيَّةٌ… يَا نَبْضَ قَلْبٍ مُبَجَّلٍ
وَيَا وَجَعًا يَسْرِي كَنُورٍ عَلَى الهَضَبِ
وُلِدْنَا مِنَ النَّارِ الْعَتِيقَةِ حُرَّةً
نُقَاتِلُ أَنْفَاسَ الرَّمَادِ بِمَا نَهَبِ
نُجَدِّدُ فِي الأَطْلَالِ وَعْدَ سَلَافِنَا
وَنَرْفَعُ سَيْفَ الحُبِّ فِي وَجْهِ مَنْ كَذَبِ
هُنَا تُولَدُ الأَشْعَارُ مِنْ صَمْتِ نَاعِبٍ
وَيُكْتَبُ تَارِيخُ الدِّمَاءِ عَلَى السُّحُبِ
من الحديد وُلد الطغيان:
أَتَى مِنْ رُكَامِ الجِيشِ وَاللَّيْلِ سَيِّدٌ
يُغَلِّفُ وَجْهَ الشَّمْسِ بِالقَيْدِ وَالسَّلَبِ
تَسَلَّقَ سُلَّمَ النَّارِ حَتَّى تَمَكَّنَتْ
يَدَاهُ مِنَ التَّارِيخِ تَكْتُبُ بِاللَّهَبِ
قَسَا كَالصَّدَى فِي كُلِّ رُوحٍ تَأَوَّهَتْ
وَنَامَتْ عَلَى صَوْتِ السُّيُوفِ وَفِي العَذَبِ
وَسَاقَ بَنِي الشَّامِ الحِرَافَ لِقَيْدِهِمْ
فَأَصْبَحَ وَجْهُ النُّورِ يُغْتَالُ بِالغَضَبِ
تَقَاسَمَ وَالْجِنُّ المَطَالِبَ كُلَّهَا
وَبَاعُوا دِمَاءَ النَّاسِ فِي سُوقِ مُرْتَقَبِ
دولة الخوف والبوليس:
هُنَاكَ تُزَيَّنُ فِي الدُّرُوبِ عُيُونُهُ
تُرَاقِبُ أَنْفَاسَ الحِجَارَةِ وَالأَدَبِ
تُفَتَّشُ أَحْلَامُ الطُّفُولَةِ فِي الكُتُبْ
وَيُعْتَقَلُ الحُبُّ الطَّرِيُّ عَلَى الْعَتَبِ
وَيُسْجَنُ مَنْ يَهْوَى الجِمَالَ بِفِكْرِهِ
وَيُبْعَثُ لِلتَّدْمِيرِ فِي غَسَقِ العَصَبِ
تَصِيرُ الكَلِمَاتُ جُرْحًا مُقَيَّدًا
وَيُصْبِحُ صَوْتُ الحُرِّ يُذْبَحُ فِي الطَّرَبِ
أَسُورِيَّةُ الحُرِّ الَّذِي لَمْ يُمِتْهُمُ
زَمَانُ الحَدِيدِ وَلاَ سِجْنُ مُغْتَصِبِ
سَيَأْتِي فَجْرُكِ النَّقِيُّ وَإِنْ طَالَتِ الدُّجَى
فَفِي كُلِّ عَيْنٍ مِنْ دِمَائِكِ مَغْتَرِبِ
سَنَبْدَأُ مِنْ هَذَا الفَجْرِ نَشْرَ حِكَايَةٍ
تُقَطِّرُ نُورًا فَوْقَ جُرْحٍ مِنَ الْعَجَبِ
سَنَكْتُبُ فِي التَّارِيخِ أَوَّلَ صَفْحَةٍ
مِنَ المَوْتِ نَبْدَأُ… وَبِالنُّورِ نَنْتَصِبِ
؟ المعلّقة السورية الكبرى
«من رمادٍ نُولدُ… ومن النور ننتصر»
الفصل الأول
فجرُ الوراثةِ والحديدِ (1970 – 1979)
يا شامُ هل أُغفيتِ تحتَ سنابِلِ
أم غاصَ فيكِ لهيبُ كلِّ زوالِ؟
نامتْ على جرحِ الملوكِ عروشُهمْ
وتوارثَ الطغيانَ نسلُ رجالِ
جاءوا إليكِ كأنّهم سُفُنُ الدُّجى
تَجتاحُ بحرَكِ في غُرورِ خيالِ
يُلقونَ فيكَ شعائرَ التمجيدِ كي
تَبقَي رهينةَ صوتِهمْ والمالِ
وتمخّضَ الصمتُ الطويلُ بصرخةٍ
أطفتْ سراجَ الروحِ والأقوالِ
فاستيقظَ الحرسُ الحديديُّ الذي
يَسقي الثرى بدمِ الشبابِ الغالي
في كلِّ ساحةِ موطنٍ مرسومَةٍ
نُصِبَتْ قُبورُ الصابرينَ مثالي
ومُحيتْ وجوهُ الحالمينَ كأنّهمْ
حُلمٌ على شفَةِ الضبابِ البالي
تحتَ الهديرِ تكسّرتْ أوتارُنا
وغدَتْ أناشيدُ الطفولةِ عوالي
ما عادَ للريحِ التي كانتْ لنا
سَفرٌ، ولا للنورِ أيُّ ظلالِ
وسرى على الأنهارِ جرحُكِ يا دُمُشْ
قُ، كأنّهُ نهرُ الأسى المِهلالِ
وتدحرجتْ أيامُنا في صمتِها
كالليلِ يُطفئُ نجمَهُ المِفضالِ
حتى إذا وارى الغبارُ قلوبَنا
هبّتْ رياحُ القهرِ والإذلالِ
وتمكّنَ الجالسُ على أكتافِنا
يُلقِي الحديدَ على مدى الأجيالِ
حتى إذا وارى الغبارُ قلوبَنا
هبّتْ رياحُ القهرِ والإذلالِ
وتمكَّنَ الجالسُ على أكتافِنا
يُلقِي الحديدَ على مدى الأجيالِ
وتقوَّضَتْ أسوارُنا بيدِ الرّدى
وانسابَ في صمتِ الدُّجى كالسَّلالِ
وغدتْ دماءُ النائمينَ رسالةً
تُتلى على أرواحِنا في الليالِي
كأنَّ في جوفِ الترابِ تساؤلًا
من سيكسرُ الطغيانَ بعدُ، وَآلِي؟
من يُرجِعُ البَسماتِ من أفواهِنا
ويُعيدُ نبضَ الحقِّ للأبطالِ؟
هذي الجراحُ تُنادي من أعماقِها
تُبشّرُ الآتينَ بالزلزالِ
يا شامُ إنَّ غدًا سيولدُ من لظى
ويُعيدُ للأرضِ الصدى والبالِ
ندخل الآن إلى أعتى فصول المأساة السورية —
الفصل الذي غَسَلَ وجه التاريخ بالدّم،حين غدت المدن مقابر، وصار الصمتُ مذبحةً تُنادي السماء!
الفصل الثاني من المعلّقة السورية الكبرى،
مكتوبٌ على البحر الطويل، بصوتٍ يجلجل كالرعد، وبحروفٍ تتقاطر منها النار والدمع.
المعلّقة السورية الكبرى
«من رمادٍ نُولدُ… ومن النور ننتصر»
؟ الفصل الثاني
المذبحةُ الصامتة (1979–1982)
مجازرُ حماة، وحلب، وحمص، وجسر الشغور — صمتُ المقابر وصراخُ المآذن
مَطْلَعُ الرُّعْبِ
تَنَادَى عَلَى الأَطْلَالِ نَوْحُ المَآذِنِ
وَخَفْقُ اللَّيَالِي فَوْقَ وَجْهِ المَدَائِنِ
تَصِيحُ حِمَاةُ العِزِّ: يَا أُمَّ أُمَّتِي
أَتَانَا جَنَاةُ الْقَوْمِ فِي لَبْسِ طَاعِنِ
تَدُكُّ جِدَارَاتِ الصَّفَا مِدْفَعِيَّةٌ
تُغَنِّي لِعَهْدِ الْمَوْتِ فِي صَوْتِ شَانِنِ
فَيُرْسَلُ نَبْضُ النَّاسِ نَحْوَ مَصِيرِهِمْ
وَيُرْجَمُ فِي الأَزْقَاتِ طِفْلُ الْيَقَانِنِ
جُثَثٌ تَهْتِفُ فِي التُّرَابِ
تَدَفَّقَ نَهْرُ الدَّمْعِ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ
وَنَاحَتْ نُفُوسُ الأُمَّهَاتِ عَلَى اللَّبِنِ
وَمِنْ صَدْرِ حِمْصٍ صَاحَ نَارٌ مُقَيَّدٌ
يُفَتِّتُ أَحْلَامَ الصِّغَارِ عَلَى الكَفَنِ
تُقَطِّعُ سِكِّينُ الجُنُودِ رَجَاءَهُمْ
وَيُكْتَبُ صَوْتُ الحُرِّ بَالطِّينِ وَالوَطَنِ
وَفِي كُلِّ بَيْتٍ يَسْتَغِيثُ مَغِيبُهُمْ
وَيَسْكُبُ نُورَ اللهِ دَمْعًا عَلَى الْمِحَنِ
حَلَبٌ… وَجْعُ الحِجَارَة
وَحَلَبُ تُنَادِي: أَيْنَ وَجْهُ الكَرَامَةِ؟
أَيُقْتَلُ حُلْمُ الأُمِّ فِي صَوْتِ مِئْذَنِ؟
تَخَفَّتْ صَلَوَاتُ الْمُصَلِّينَ رَهْبَةً
وَصَارَ الأَذَانُ بُكَاءَ مَنْ لَا يُؤَمَّنِ
تُفَتَّشُ أَظْلَالُ الدُّخَانِ خَيَالَهَا
فَتَرْجِعُ أَرْوَاحُ المَدِينَةِ فِي الْكَفَنِ
وَفِي جِسْرِ شُغُورٍ سُئِلَتْ أَجْفَانُهَا
أَتَحْرُسُ قَبْرَ الحُبِّ أَمْ وَطَنَ السَّكَنِ؟
صَمْتُ العَالَمِ وَخُذْلانُ السَّمَاءِ
تَرَاقَبُ أُمَمُ الأَرْضِ مَا يَجْرِي بِغَفْلَةٍ
كَأَنَّ الدِّمَاءَ عَلَى الشُّطُوطِ فُنُونُنْ
يَشَاهِدُهُمْ شَارُونُ فِي سُرُرِ مَكِيدَةٍ
وَيَصْمُتُ مَنْ يَدَّعِي النُّبْلَ فِي الزَّمَنِ
وَيَبْقَى الْعَرَبُ الْخَانِعُونَ كَأَنَّهُمْ
قَطِيعٌ أَتَى بِالخَوْفِ مِنْ غَيْرِ مَنْحَنِ
أَلَا فَاشْهَدِي يَا سُورِيَةُ العُصُورِ
هُمُ الَّذِينَ بَاعُوا وَفِي البَيْعِ مَرْتَهَنِ
خِتَامُ المَذْبَحَةِ وَرُوحُ البِدَايَة
سَيَبْقَى رُفَاتُ الأُمِّ فِي حَانِ قُبْرِهَا
يُنَادِي: مَتَى يَأْتِي ابْنُ حُرٍّ مُؤَمَّنِ؟
سَيَصْحُو رُفَاتُ الطِّفْلِ يَسْأَلُ رَبَّهُ
لِمَاذَا وُلِدْنَا فِي الزَّمَانِ الأَحَزْنِ؟
سَيَكْتُبُ نَارُ الحُقْدِ أَوْلَى مَآسِيَهَا
وَيَنْبُتُ مِنْهَا النُّورُ فِي وَجْهِ مَنْ سَكَنِ
فَمِنْ تِلْكَ المَذْبَحَاتِ يَقُومُ صَبَاحُنَا
وَيَسْقُطُ لَيْلُ الْخَوْفِ لصَوْتِ مَنْ شَجَنِ
؟ المعلّقة السورية الكبرى
«من رمادٍ نُولدُ… ومن النور ننتصر»
الفصل الثاني: المذبحةُ الصامتة (1979–1982)
نامتْ على أطلالِها حِمصُ الحَزَنْ
تُسقي المدى دمعًا كَنهرِ فَنَنِ
وفي حماةَ تكسّرَ التاريخُ إذْ
أمسى النداءُ مُقيّدًا في الكَفَنِ
صرخَ المآذِنُ تُغرقُ الأفقَ الأسى
وتُعيدُ للموتى سؤالَ الزَّمَنِ
أينَ الرفاقُ؟ وأينَ صوتُ بلادِنا؟
والأرضُ ترجفُ من لظى المحْتَنَنِ
جاءَ الحديدُ على المآذنِ راقصًا
وسرى كجُرحٍ في ضلوعِ الوطنِ
وتساقطَتْ في الزقاقِ طفولتُنا
مثلَ الورودِ تهاوتِ في المِحَنِ
يا لَلسُّكوتِ على المذابحِ إنَّهُ
قَبرٌ يُزيَّنُ بالهُتافِ المَكَنِ
كم من دمٍ في الشامِ لم يُكتَبْ
لهُ أنْ يُروَى للعُصْرَينِ أو للعلنِ
تدحرجَتْ رؤوسُنا في صمتِها
كالطِّينِ تُغرقُهُ يدُ المُقتَتِنِ
وغدَتْ حماةُ على المدى مأساةَ
مَنْ صاغَ الرُّؤى بالنارِ والأنينِ
كم من بيوتٍ في الظلامِ تهاوتْ
كم من قلوبٍ ذابَتِ في الوَسَنِ
كم من فتى في الزنزانةِ موثَقٍ
نادى الإلهَ بصمتِهِ المُؤتَمَنِ
يا شامُ ما هذا السكوتُ كأنَّهُ
خوفٌ يُبايعُ سيفَ كلِّ فِتَنِ
لكنَّ في طيِّ الخرابِ بشائرًا
أنَّ الدماءَ تُعيدُ وحيَ العَلَنِ
فإذا الجبالُ تصيرُ من بركانِها
صوتًا يُنادِي: ويحَكمْ مَن مَنَنِ؟
إنَّ الرُّكوعَ على المدى خُسرانُنا
والصبرُ إنْ طالَ انفجارُ العُرُنِ
سَكَتَتْ حِمَاةُ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْطِقِ الفَاقَا
وَتَغَشَّتِ الأُفُقَ الدُّخَانُ وَأَحْرَاقَا
وَتَدَفَّقَ الدَّمُ فِي الزُّقَاقِ كَأَنَّهُ
نَهْرٌ يُغَسِّلُ فِي الخَطَايَا العُتَاقَا
وَرَقَا عَلَى جُدُرِ البُيُوتِ صَفَائِحٌ
نُقِشَتْ عَلَيْهَا مَوْتَنَا إِطْبَاقَا
وَتَحَجَّرَتْ أَعْيُنُ الصِّبَا فِي صَمْتِهَا
تَرْجُو الإِجَابَةَ وَالحِجَارَةُ نُطَاقَا
فِي كُلِّ دَارٍ نَارُ أُمٍّ ذَابِلٍ
تَبْكِي عَلَى جَسَدِ الصَّبِيِّ شِقَاقَا
وَتَهَامَسَتْ جُدُرُ المَدِينَةِ خِيفَةً
مِنْ وَقْعِ مِدْفَعِهِمْ وَحُكْمٍ سَاقَا
حَتَّى المَآذِنُ غَادَرَتْ أَجْرَاسَهَا
وَتَنَاثَرَتْ أَصْوَاتُهَا أَشْلَاقَا
مَا زَالَ فِي دِمَشِقٍ نَبْضُ مَقْبُورٍ يَنَا
دِي: أَيْنَ حُرِّيَتِي؟ وَمَنِ انْسَاقَا؟
تَمْشِي الجِدَارَاتُ البِيضُ مُلْتَطِخَاتٍ
بِدَمِ الطُّفُولَةِ وَالخُطُوبِ رِتَاقَا
فَتَفَتَّحَ التَّارِيخُ فِي صَمْتِ الدِّمَا
وَانْهَالَ كَالرَّعْدِ الَّذِي أَحْرَاقَا
يَا شَامُ، إِنَّ الحِبْرَ لَا يَكْفِي لَنَا
كَيْ نَكْتُبَ المَأْسَاةَ وَالأَشْوَاقَا
وَما بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ إلّا نُخَامُهُ
تَهُبُّ لِنَهَارٍ يَشُقُّ صَدَى الفَتَاقَا
وَالطَّغْيَانُ يَحْمِلُ عَلَى جَنَاحِهِ سِرَّةً
تَزْرَعُ في القَلْبِ وَحْشَةَ الانقِلاقَا
سَيُولُ الدِّمَاءِ لا تَبِرُّ فَتَدْمَعُ الأَرْضُ
وَيَنْدَحِلُ عَنِ العُيُونِ سُقْمُ الِاشْتِيَاقَا
هُنَاكَ فِي طَيّاتِ الرُّدَى يَتَهَيَّأُ صَوْتٌ
يَقْتَلعُ سِتْرَ الصَّمْتِ وَيُصْدِحُ بِالِإشْرَاقَا
فَانتَبِهِي يا شَامُ، فَسَوْفَ يَتْلَظَّى فَجْرٌ
وَيُحيلُ الليلَ نَارًا… وَيَبدأُ الِانطِلاقَا
سيكون هذا الفصل هو “تَدْمُرُ… بوّابةُ الجحيم (1980–2000)”، حيث يُصوَّر السجن كجوفِ الأرضِ حين تُغلقُ أبوابُها على أرواح المظلومين، تتكلّم فيه العتمة، وتبكي الجدران، وتُساقَط الأرواح كالأوراق في قيظ العذاب.
؟ المعلّقة السورية الكبرى
الفصل الثالث
تَدْمُرُ… بوّابةُ الجحيم (1980–2000)
تَدْمُرُ يا فمَ الجُرحِ، يا نَفَسَ القَفْرِ،
كم سالَ فيكِ النورُ، وانهارَ في الحَفرِ
يا كهفَ ليلٍ لا يُرى فجرُهُ، ومتى
تُعْطى الدُّروبُ لأسرى الحُلمِ مُعتَبرِ؟
فيكِ الضلوعُ تُكفَّنُ الأحياءَ صابرةً
ويُوزَنُ الصبرُ بالأشلاءِ والحَجَرِ
جُدرانُكِ الغبرُ تبكي كلَّ قافلةٍ
مَرَّتْ ولم تُتركِ الأقدامُ للأثَرِ
يا بابَ جُهنّمَ كم دُقَّتْ مفاصلُنا
فانفجَرَ الصمتُ من أعماقِنا سَعَرِ
من أيِّ نارٍ صُغتِ سياطَ قاتلِهم؟
هل خُلِّقَ الجمرُ إلّا منكِ يا تَدْمُرِ؟
كانوا إذا صلّوا أذابوا في تَنهُّدِهمْ
جمرَ الحديدِ، وصوتَ القيدِ في السَّحَرِ
تُنسى الدقائقُ، والأعوامُ مُقفلةٌ
ويُقتَلُ الوقتُ في الأجسادِ والذِّكَرِ
يُسقونَ موتًا على أجزاءِ أغنيةٍ،
ويُسكتونَ بقايا الروحِ في السُّوَرِ
لا ليلَ بعدكِ، لا صباحَ يُستضاءُ بهِ
كأنَّ ضوءَكَ حتفٌ، والعُمى قدَرِ
من كلِّ جفنٍ سالَ جرحٌ ناطقٌ شَهِقًا
يَدعو إلى الحُرّ لا للخوفِ والضَّجَرِ
حتى جدارُكِ — يا تَدْمُرُ — قد بَكَى وَجَعًا
فاهتزَّ لِلدَّمعِ كالسيفِ على وَتَرِ
والريحُ تسألُ: أينَ الصوتُ؟ من طَمَسُوا
في صخرِكِ الحُرَّ حتى خُضِّبَ الشَّجَرِ؟
ما عادَ فيهمْ سوى الأشباحِ طافيةً
كأنَّ أرواحَهمْ قِدٌّ من الكَدَرِ
يا تَدْمُرُ انطوي، فالليلُ أوسعُ من
نَفْسِ الأسيرِ، ومن أنَّاتهِ الكُسَرِ
نامي على وهجِ الضحايا ساعةً
تأتيكِ ريحٌ تُشعلُ الصحراءَ بالشرَرِ
سيموتُ صمتُكِ في المدى، وسنكتوي
بسكوتِ عصرٍ غافلٍ غَضَرِ
سيجيءُ حُكمٌ وجهُهُ بَردٌ، ولكنَّهُ
نارٌ تُغَلِّفُ وجهَها بالقَدَرِ
تكملة الفصل الثالث: تدمرُ… بوّابةُ الجحيم (1980 – 2000)
— على البحر الطويل، بنغمةٍ من العدمِ والسوادِ والرهبة —
هُنا تَدْمُرٌ… واللّيلُ يَحْدُو نَواحَهُ
كأنّ جِدارَ السّاحِراتِ تَهَدَّما
تَنَفَّسَتِ الأَسْوَارُ صَهْداً وَمَوْتَها
وَسالَ عَرَقُ السِّجْنِ الجَديدِ مُسَمَّما
تَنَاثَرَ ظِلُّ المَوْتى على صَخْرِها دَماً
يُبَدِّلُ أَسْماءَ الرِّجالِ تَكَلُّما
تُصَلِّي عَلى الجُثْمانِ أَشْباحُ لَيْلِها
وَتَغْسِلُهُ بالرَّمْلِ أَكْفانُ أَعْتَما
يَجُوعُ الهدِيرُ في الحَناجِرِ خَامِداً
وَيَبْكِي الحديدُ إذِ اسْتَحَالَ مُتَيَّما
هُناكَ، تُنَادِي الأَضْلُعُ المُتَفَحِّماتُ:
إلى أَيِّ رَبٍّ نَسْتَغِيثُ تَيَمُّما؟
تَهَبُّ رِياحُ السَّوطِ في ظَهرِ كُلِّ مَنْى
وَتَرْسُمُ وَجْهاً في الجِدارِ مُهَيَّما
وَيَضْحَكُ جَلاّدٌ كَمِنْجَانِ سُخْرَةٍ
يُنَادِي الأَذِيَّةَ أَن تَزِيدَ تَضَرُّما
تَدْمُر… ويا لَلرُّعْبِ! قَدْ كَانَ مِعْوَلاً
يُفَتِّتُ صَوْتَ النّايِ إذْ تَتَرَنَّما
هُناكَ، تَمُوتُ الصَّمْتُ في زَنْزَانَةٍ
تُحَدِّثُ حَجْرًا… لا يُجِيبُ تَبَسُّما
ويَبْقَى المَدى مُتَخَثِّرًا في دِمَائِهمْ
كَأَنَّ الفَجِيعَ سَقَى الزَّمَانَ حِمَامَا
تَدْمُرُ… وَاللَّهْبُ البَطِيءُ كَأَنَّهُ
جَحِيمُ بَشَرٍ قَدْ أَنْزَلُوهُ تَنَمُّمَا
فَيَا كُلَّ نَارٍ حُفَّتِ الأَسْرَارُ حَوْلَهَا
تَذُوقِينَ مَا ذَاقَ الأَنِينُ سُمَامَا
وَيَا زَمَنَ الصَّبْرِ الَّذِي قَدْ تَجَلَّدَا
عَلَى الأَلَمِ المُسْتَبْطَنِ المُتَحَطِّما
تَدْمُرُ… يا أُمَّ الجِحيمِ، تَكَلَّمي
فَإِنَّ صَمْتَكِ أَبْلَغُ الحُكْمِ حِكْمَّا
تَدْمُرُ أَطْفَأَتِ السَّمَاءُ نُجُومَهَا
وَأَلْقَتْ بِنُورِ الشَّمْسِ فِي الجُبِّ يَتْمَمَا
وَمَرَّتْ سُنُونُ المَوْتِ تُحْصِي عَدِيدَهَا
وَلَا أُمَّ تُدْنِي مِنْ فُؤَادٍ تَرَحُّمَا
فَنَاحَتْ عُصَافِيرُ الجِرَانِ وَمَا بَقَتْ
سِوَى عَيْنِ طِفْلٍ فِي الغَبَارِ تُتَيَّمَا
وَمِنْ صَلْصَلَاتِ السِّجْنِ، وُرِّثَ عَارُهَا
لِمَنْ جَاءَ يَرْقَى العَرْشَ وَهْوَ مُجَسَّمَا
بِدِمَاءِ أَسْلَافٍ بَنَى قَصْرَ وَرْثِهِ
وَسَمَّاهُ قَصْرَ النُّورِ، وَهْوَ تَدَمَّمَا
سَيُفْتَحُ بَابُ الجُرْحِ مِنْ كُلِّ شَارِعٍ
وَيَدْخُلُهُ المَلْكُ الصَّغِيرُ مُبَسَّمَا
تَدْمُرُ، يَا أُمَّ المَقَابِرِ، أَخْبِرِي
أَيُولَدُ مِنْ نَارِكِ وَلَدٌ مُعَتَّمَا؟
وهكذا تنطوي صفحة الجحيم الأولى، ليبدأ فصلُ “المُلكِ الوراثيّ”، حيث يخرج من رماد تدمرَ وارثُ الحديدِ والتّمويهِ، ويُرفع السيفُ على أنقاض الأرواح،
فيُكمل الليلُ مسيرتَه في قصرِ الدّم…
تكملة الفصل الثالث: تدمُّرُ… بوابةُ الجحيم (1980–2000)
— على البحر الطويل، بلونٍ سوداويٍّ عميقٍ، نزولٌ إلى الزنزانةِ التي تبتلعُ الأبديةَ —
تَدْمُرُ، فَالأَرْضُ تَفْتَحُ أَحْشَ
اءَها طِوَالًا كَظِلٍّ طَيْفْ
وَيَهْوِي عَلَيْنَا مِنْ بَاطِنِ الزَّ
مَنِ سِرُّ الجَحِيمِ كَسَيْفْ
تَنَفَّسَتِ الحَجَرَةُ قَصَصًا
لِمَنْ ذُبِحَ بِغَدٍ طَائِفْ
وَانْقَطَعَتْ دُرُوبُ الأَمَلِ
غَيْرَ مُنَاجٍ لِلنَّجَاةِ كَشَيْفْ
زِنْزانَةٌ تُحْتَوَى فِيهَا الحَيَاةُ
كَجِيفٍْ مِنْ لَحْمٍ جَفِيفْ
تُقَاسُ الأَيَّامُ بِقِيَاسِ الصِّمْتِ
وَالصُّدَى فِيهَا عَدِيفْ
صِيحَةُ اللَّيْلِ تَنْفَجِرُ مِنْ
حَجَرِ الصَّمْتِ كَطَيْفْ
تَسْتَدِيرُ الرُّوحُ حَوْلَ وَجْهِها
تَبْتَغِي الْخُرُوفَ كَمَنْ يَهْتِفْ
هُنَا تُقَطَّعُ الأقْوَامُ كَأَنَّهُمْ
سِرْدَابُ الحَيَاةِ عَلَى مِتْلَفْ
وَتَبْقَى الجُثَثُ تَسْمَعُ لِمَن
لا يُجِيبُ، كَمَا تَنَامُ مَكْشَفْ
تَدْمُرُ… وَصَوْتُ السِّلاَجِلِ
يَتَرَدَّدُ فِي المَدَى كَصَيفْ
يَنْقَطِعُ هَمْسُ الحُزْنِ، فَيُصيحُ
القَتِيلُ: أَيْنَ الحَنَاةُ وَ الشَّرِيفْ؟
وَتَبْكِي الحَيطَانُ دَمًا
فَتَكْسِرُ كِبْرَها عَلَى جِفَافْ
وَيَرْنُو السَّقْفُ إِلَى سُقُوطِهِ
فَيَتَزَلْزَلُ كُلُّ خَفِ
وَفِي المَحَافِلِ الخَفِيَّةِ
يُسْطَرُ اسْمُ الشَّهِيدِ كَشِفْ
يُحْشَرُ النَّدْمُ مَعَ الذِّكْرَى
فَيَبْقَى الوَجَعُ حَفِيفْ
يا تُجَّارَ الخَوْفِ، ما أَبْقى
لَكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَرِيفْ؟
هَلْ تُحَاسَبُونَ أمْ تُغْمِضُونَ
العُيُونَ فَتَبْقَى البِلادُ جَرِيفْ؟
في زِنازِيْنَا تُغْتالُ الحِكايا
وتُقْنَعُ بِطَعَامِ الجُوعِ مُخِيفْ
وَتَبْعَثُ الأَيَّامُ هُنا رِيحًا
تُذَكِّرُ بِأَسْمَاءِ القَتِيلِ الظَّريفْ
تَدْمُرُ، فَالصَّدَى يَسِيرُ
فِي مَمَرِّ العُنْقِ كَشِعَافْ
يَصِيرُ اللَّيْلُ مَلاذًا لِقَصَصٍ
لا تُحْكَى، بَلْ تُدْفَنُ كَالْجِيفْ
تَشْتَاقُ الأَرْوَاحُ لِقَبْلَةٍ
تُزِيلُ عَنِ القَلْبِ غِشَافْ
وَيَبْقَى التَّنَفُّسُ هُنَا
كَأَنَّهُ صَدِيقٌ مَجْنُونٌ رَدِيفْ
تَدْمُرُ… بَيْنَ ثَنايَا السِّلاَجِلِ
أُغنِّي لِمَنْ أَبْقَاهُ الإِيمَانُ عَفِيفْ
وَأَدْعُو الغَدَ أَن يَكُونَ مَكَانًا
لِلْحُرِّ لا لِلطَّاغِيِ الجَفِيفْ
(خاتمةٌ تهدُّنا إلى ليلٍ طويلٍ من الزنازينِ، تهيئنا لِفجرٍ لاحقٍ لنرى أثر الجحيمِ على الجسدِ والروحِ، وتزهرُ من بينِ الشقوقِ إرادةٌ لا تُقهرُ.)
؟ المعلّقة السورية الكبرى
الفصل الرابع
الصمتُ والخوفُ (2000 – 2011)
دَارَ الزمانُ، وأُغلِقَ البابُ المُعَبَّدُ،
وَتاهَ الحنينُ، وضاعَ في الصدرِ المَقَيَّدُ
نامتْ على الأفواهِ ألحانُ الرُّؤى، وغَدَتْ
أحلامُنا في سجنِها، لا تتجدَّدُ
ماتَ السؤالُ، وكم غدا الوطنُ الذي
عانقْتُهُ يومًا كأرضٍ لا تُسَدَّدُ
خافَ الربيعُ من الندى، فانطفأتْ
أزهارُهُ الخضراءُ خوفًا أن تُبَيَّدُ
حتى العصافيرُ التي كنّا نُسافرُها
غابَتْ، كأنَّ اللحنَ عنها يتبعَّدُ
صوتُ الخُطى في الدربِ صارَ هواجسًا
تتلو على جدرانِها ما يتوعَّدُ
يا أيُّها الجُدرانُ كم شهدتِ من وجَلٍ
خَفَقَتْ بهِ الأرواحُ ثمَّ تَبَدَّدُوا
صرنا نُقَبِّلُ ظلَّ مَن نهوى خُفيةً
ونخافُ حتى من هواءٍ يتردَّدُ
والليلُ — يا ليلَ البلادِ — تمدُّهُ
عينُ المراقبِ، لا يغيبُ ولا يَغُدُّ
نامَ الغناءُ على الشفاهِ، كأنّهُ
حُلمٌ جليلٌ في المدى لا يُنشدُ
وتَمزَّقَ الصبحُ البعيدُ على المرايا
إذْ قد كَبَّلوا حتى المرايا كي تُقيَّدُ
وغدَتْ عيونُ الناسِ لا تَرنو سوى
للسقفِ، إنْ مرّتْ نسائمُ تُحسَدُ
تاللهِ، ما هذا الخُنوعُ سوى رَدى
يُخفى برَمسٍ من رمادٍ يُجدَّدُ
يا وَيْحَ شعبٍ لو نَهَضْتَ لزلزلتْ
هذي القيودُ، ولكنَ الحتفُ أَرْشَدُ
نامَتْ عُيونُ الصبحِ، واحتَجَبَ السُهُدُ
والأرضُ تختنقُ، والسَكْتُ مُتَّقَدُ
وسرى الرُكودُ على المدى متربِّصًا
يَغتالُ حُلْمًا في المَسيرِ إذا بَدَا الجَدَدُ
وتَكاثَرَ الموتى، ولكنْ في الحَياةِ هُمُ
يَحْيونَ لكنْ لا يَرَونَ ولا يَرُدُّوا
في كُلِّ نافذةٍ وِشاحُ تَخَوُّفٍ
يَختالُ مثلَ سُؤالِ طفلٍ مُقْتَصِدِ
حتى إذا ضَاقَ الفضاءُ بأهلِهِ
تَصَدَّعَ الجدارُ، وَهاجَ ما جَمَدُوا
هَبَّتْ منَ القَهرِ العتيقِ صَهيلَةٌ
تَدْعُو الصِغارَ، وكُلُّ كَفٍّ تَتَّقِدُ
تكملة الفصل الرابع: جوعُ الوطنِ وموتُ الكرامة (2000–2011)
«المُلْكُ للوارثِ… والليلُ يزدادُ عُتْمَا»
— على البحر الطويل —
وَرِثَ الحَدِيدَ فَتَاهُ، وَاسْتَحْيَا القَمَرْ
فَتَسَاقَطَتْ نُجُمُ السَّمَاءِ وَانْحَدَرْ
قَدْ صَعِدَ المَلِكُ الصَّغِيرُ عَلَى دِمَاهُمْ
وَالْعَرْشُ مَخْضُوبٌ بِدَمْعٍ وَضَرَرْ
تَمْشِي الدُّيُونُ عَلَى الطُّرُقَاتِ صَامِتَةً
كَأَنَّهَا الْمَوْتُ فِي أَرْيَاحِهِ انْتَشَرْ
وَتَسَوَّلَتْ أَطْفَالُ وَطْنٍ كَانَ مَوْلِدُهُمْ
مَجْدًا، فَصَارُوا لِجُوعِ الْعَيْنِ مُنْكَسِرْ
أَيَا وَطَنَ الخُبْزِ، مَا بَاقَتْ لَكَ كَرَمٌ
وَلَا الحُرُوفُ عَلَى المَنَابِرِ تَفْتَخِرْ
تَفُوحُ رَائِحَةُ النِّفَاقِ فِي الْمَجَالِسِ كَال
مِسْكِ المُلَوَّثِ، فِي اللِّبَاسِ وَفِي الصُّوَرْ
أَسْمَاؤُهُمْ نُورٌ، لَكِنْ كُلُّ مَسْجِدِهِمْ
يُصَلِّي لِلسَّيْفِ، لِلْقُيُودِ، لِلْخَفَرْ
يَسْجُدُ الشَّعْبُ مِنْ جُوعٍ، وَيَرْتَفِعُ ال
مَلِكُ فِي صُورَةٍ مِنْ كَذْبٍ وَمُسْتَتَرْ
قَدْ عُلِّقَتْ فِي كُلِّ جَامِعَةٍ صُوَرٌ
تُخْفِي جِرَاحًا وَرَاءَ زَهْوٍ مُبْتَذَرِ
وَتَغَرَّبَ الشُّبَّانُ، تَحْتَ سَمَاءِ غُرْبَتِهِمْ
يَحْمِلْنَ جُرْحَ الْوَطَنْ كَالنَّارِ وَالْوَتَرْ
وَتَغَنَّتِ الشَّاشَاتُ بِالْمُعْجِزَاتِ وَمَا
بَقِيَ سِوَى الْعَارِ، وَالْإِذْلَالِ، وَالْقَذَرْ
سِنِينُ حُكْمٍ كَأَنْفَاسِ الْمَقَابِرِ فِي
صَدْرِ الْبِلادِ، فَلَا نُورٌ وَلَا قَمَرْ
وهكذا تنطوي أعوامُ الوراثة الحديديّة،حيث صارَ الجوعُ مِكيالاً،والكرامةُ تُباعُ في السوقِ سِرًّا، والشعبُ بين خوفٍ وصمتٍ ومقابرٍ مفتوحةٍ على الغد.
في الأفق، ومضةُ طفلٍ من درعا، تَحْمِلُ مِفْتَاحَ النَّهَارِ الآتِي…
؟ الفصل الخامس: شرارةُ الأطفال (درعا – 2011)
«ومن جدارِ الطفولةِ اشتعلَتْ الشموس»
— على البحر الطويل —
مِنَ الطِّفْلِ جَاءَ النُّورُ، يَكْسِرُ صَمْتَهُ
وَيَرْسُمُ فِي جُدْرَانِ دَرْعَا الْمَآثِرَا
كَتَبُوا: «أَرِيدُ حُرِّيَّةً»، فَتَزَلْزَلَتْ
قُصُورُ مَنْ استَعْبَدُوا الدِّيَارَ مُجَاهِرَا
تَفَتَّحَ مِنْ طِفْلٍ حَدِيثٍ لَهُ فَمٌ
بُرْعُمُ ثَوْرَاتٍ وَنُوحٌ وَأزْهَرَا
أَتَاهُمْ بَنُو الأَجْيَالِ، صَيْحَاتُ صَبْحِهِمْ
تُمَزِّقُ جُدْرَانَ الخُطُوبِ تَكَسُّرَا
وَقَالَتْ أُمَانِي الشَّعْبِ: قُومُوا فَإِنَّنَا
سَئِمْنَا لِبَاسَ الخَوْفِ وَالصَّمْتِ أَكْبَرَا
فَجَاءَتْ جُنُودُ البَغْيِ تَرْمِي صِبَايَهُمْ
وَتَجْرِفُ أَحْلَامَ الطُّفُولِ تَفَجُّرَا
وَفِي كُلِّ جِدَارٍ دَمُ الطِّفْلِ خَطَّهُ
كَنَبْرَاسِ فَجْرٍ لَا يُرِيدُ تَأَخُّرَا
تَصِيحُ الدِّرَاعُ بِأَصْوَاتِ أَطْفَالِهَا
كَأَنَّهُمُ الآذَانُ فِي اللَّيْلِ تَكْبُرَا
وَتَهْتِفُ أُمٌّ: يَا نُجُومَ السَّمَاءِ، اشْهَدِي
عَلَى قَطْرَةٍ مِني تُنَادِي وَتَحْضُرَا
هُنَاكَ، وُلِدْنَا مَرَّةً أُخْرَى عَلَى دَمٍ
تُوَارِثُهُ الْأَجْيَالُ نُورًا مُبَكَّرَا
فَدَرْعَا، يَدُ اللهِ الْكَبِيرَةُ لَمْ تَزَلْ
تُشِيرُ إِلَى الشَّعْبِ: امْضِ، فَالنُّورُ أَبْهَرَا
وهكذا انشقّ الصباحُ من صرخةِ طفل، واهتزّت الأرضُ التي نامت عقودًا.
من جدارٍ في درعا، اشتعلتِ القلوبُ،وبدأَ النشيدُ العظيمُ:
“الشعبُ يريدُ أن يعيشَ حرًّا…”
؟ المعلّقة السورية الكبرى
تكملة الفصل الخامس
شرارةُ الأطفال (درعا – 2011)
مِنَ الطِّفْلِ، لا مِنْ سَيْفِ غَازٍ وَمِعْوَلِ
تَفَجَّرَ نُورٌ فَوْقَ وَجْهِ التَجَمُّلِ
كَتَبُوا على الجُدْرَانِ حُلْمًا سَاطِعًا
فَارْتَاعَ مِنْ خَطِّ الصِّغَارِ المُرْتَجَلِ
«إِرْحَلْ»… فَصَارَتْ نَارَةً تَتَسَلَّقُ ال
جُدْرَانَ حَتَّى نَاحَ صَخْرُ التَمَاثُلِ
وَتَفَتَّحَتْ دُرْعَانُ، تَصْرُخُ: «حُرِّيَتِي»
وَيَهِيجُ فِي صَدْرِ الطُّغَاةِ التَغَيُّلِ
رَسَمُوا عَلَى الطُّوفَانِ وَجْهَ أَمَانِهِمْ
فَتَهَدَّمَ الطُوفَانُ عِنْدَ التَّجَمُّلِ
قَامُوا كَأَنْغَامِ الصَّبَاحِ مُبَكِّرًا
وَالدَّمْعُ يَغْسِلُ خَدَّهُم بِالتَّمَلْمُلِ
مَا خَافَ طِفْلٌ أَنْ يُقَيَّدَ صَوْتُهُ
بَلْ قَالَ: «أَبْصِرْنِي… فَإِنِّي أَنْجَلِي»
مِنْ دَرْعَا تَدَفَّقَ وَجْدُ أُمَّةِ صَابِرٍ
وَانْفَلَتَ البُرْقُ فِي دُجَى المُتَهَدِّلِ
نَادَوْا: «سَنَكْبُرُ كُلَّمَا قَتَلُوا صِغَارًا»
فَاهْتَزَّ مِنْ صَوْتِ الصِّبَا كُلُّ مُقْفِلِ
حَتَّى النُّجُومُ تَطَايَرَتْ مِنْ خَوْفِهَا
وَالْبَدْرُ خَافَ، وَقَالَ: «مَنْ لِلْمُنْزَلِ؟!»
تِلْكَ البُرَاءَاتُ الَّتِي كَتَبَتْ دَمًا
وَتَفَجَّرَ التَّارِيخُ مِنْ حَبِّ المَهَازِلِ
مَنْ قَالَ: إِنَّ الطِّفْلَ لَا يَفْهَمُ النِّدَا؟
قَدْ فَجَّرَ الدُّنْيَا بِنَارِ التَّمَهُّلِ
هَذِي الشَّرَارَةُ، وَالْقُيُودُ تُنَكِّسُ ال
رَايَاتِ، وَالْجُدْرَانُ تَصْرُخُ: «مَنْ لِي؟!»
وَهَمَتْ دِمَاءُ الصِّبْيَةِ العُزْلِ النُّقَا
وَارْتَجَّ حَتَّى الصَّخْرُ عِنْدَ التَّسَاؤُلِ
مَنْ قَالَ إِنَّ النُّورَ يُطْفِئُهُ الدُّجَى؟
أَ كَيْفَ يُخْمَدُ فِي الصِّغَارِ التَّعَقُّلِ؟
هَاجَتْ مَدَائِنُنَا، وَفِي أَصْوَاتِهَا
رَجْعُ الرَّصَاصِ، وَنَفْحَةُ الْمُتَبَذِّلِ
وَتَفَتَّحَتْ بَابَاتُ غَضْبٍ كَامِنٍ
تَدْعُو الجِبَالَ لِتَنْفَجِرْ وَتُزَلْزِلِ
وَهَتَفَتِ الأَرْضُ: «قُمْ يَا شَعْبُ وَانْتَصِبِ
فَالظُّلْمُ خَانَ، وَآنَ أَنْ يَتَبَدَّلِ
؟ المعلّقة السورية الكبرى
الفصل السادس
ميادينُ الكرامةِ ولهيبُ الجماهير (2011–2012)
وَقَامَ الشَّعْبُ، يَصْدَحُ مِنْ مَآذِنِهِ
صَوْتُ الحَيَاةِ، وَرَجْعُهُ سَفَرُ الغَرَرُ
هَتَفَتْ دِمَشْقُ، وَقَالَتِ الْغُوطَاتُ: لَا
لَا يُشْتَرَى الْحُرُّ، وَلَا يُخْنَقُ الْوَتَرُ
وَسَكَتَتِ البُنْدُقِيَّةُ خَائِفَةً
إِذْ غَاصَ فِي الْمِيزَانِ وَزْنُ المُسْتَبَرُ
هَذَا الشُّعُوبُ، وَذَاكَ صَوْتُ إِمَامِهَا
وَالدَّمْعُ يُكْمِلُ فِي الثِّيَابِ مَا انْكَسَرُ
سَكَنَتْ حَلَبٌ، لَكِنْ جُدْرَانُهَا صَرَخَتْ
وَفِي حِمْصَ غَنَّى الْمَوْتُ مِنْ فَمِ ثائِرُ
حَتَّى الْمَآذِنُ قَالَتِ: «هَيَّا إِلَى الْعِزِّ»
وَانْفَجَرَ التَّكْبِيرُ فِي عَيْنِ الْخَطَرُ
قَامُوا وَأَيْدِيهِمْ خَطَفْنَ نُجُومَهُمُ
وَسَقَوْا الدُّجَى مِنْ خَمْرِ عَزْمٍ مُفْتَتَرُ
لَا يَرْهَبُونَ الْمَوْتَ، بَلْ يَرْتَجُونَهُ
نَحْرًا لِعِزَّتِهِمْ، وَمَهْدًا لِلظَّفَرُ
نَادَوْا: «سَنَحْيَا أُمَّةً حُرَّةً، وَإِذَا
مُتْنَا، سَنَخْلُقُ فِي المَنَايَا مُنْتَصَرُ»
وَتَفَتَّحَتْ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ دِمَى
تَرْقُصْ عَلَى وَقْعِ الرَّصَاصِ وَتَزْدَهِرُ
هَذِي الدِّمَاءُ مَآذِنٌ فِي رَجْعِهَا
تَدْعُو الْقُلُوبَ لِتَسْتَمِدَّ مِنَ الْخَطَرُ
وَتَعَالَتِ الْأَرْوَاحُ فِي أَنْشُودَةٍ
لَا يَسْكُتُ التَّكْبِيرُ فِيهَا أَوْ يُحَرُ
قَامُوا كَأَنَّهُمُ الْفَجْرُ الَّذِي انْفَجَرَتْ
مِنْ نُورِهِ الْأَيَّامُ فِي جَبَلِ الْقَدَرُ
تكملة الفصل السادس: ميادينُ الكرامةِ ولهيبُ الجماهير (2011–2012)
على البحر الكامل، في وهج الثورة، تُولد الأمة من رمادها، فصوتها سيفُ حقٍّ لا يلين —
يا شعبَ نورٍ من لهيبِ الساحاتِ، قد
هبَّتْ رياحُ الحقِّ، فاستيقظتْ بلَدْ
ورفعتَ كفَّكَ في السماءِ مُكبِّرًا
كالعاصفِ الثوّارِ إذْ نادوا أبَدْ
هتفوا: “حرامٌ أن نُهانَ على الثرى
إنّا لنا شمسًا تُضيءُ إذا اتَّقَدْ”
من كلِّ درعا جاءَ صوتُك صارخًا
في حمصَ، في حلبَ الحبيبةِ، في الغَدْ
في ساحةِ الأمويينِ قامتْ نخوةٌ
تشدو لدمشقَ: قُومي وافتَخِرْ يا وَلَدْ
والأمُّ ترقبُ في العيونِ شهيدَها
تُخفي بكاءً كي تُؤجِّجَ ما وُعِدْ
دمُ الغزاةِ على الجدارِ كتابُنا
وحروفُهُ من نارِنا تُتلى سُجَدْ
كلُّ الميادينِ انتصارُ صهيلِنا
والشعبُ إنْ قالَ الحقيقةَ لا يُحَدْ
ختام الفصل السادس
وفي ختامِ الميادينِ، تنفجرُ الأرضُ بالهُتاف،دمٌ يلوِّنُ ليلَ دمشقَ بالكرامة، وصوتُ شهيدٍ يُنادي من الأعماق:
“ها نحنُ عدنا، فليبدأ اللهيبُ الكبير…”
؟ تكملة الفصل السادس: ميادينُ الكرامةِ ولهيبُ الجماهير (2011–2012)
«حينَ نطقتِ المآذنُ… ارتجفَ العرشُ وسَكَرَ الحديدُ بالرعب»
— على البحر الطويل، في ذروة النشيد الملحمي —
وَقَامَ الشَّعْبُ يُصْغِي لِهَتْفِ المَآذِنِ
وَفِي كُلِّ سَاحٍ نَبْضُ حُرٍّ وَدَافِنِ
تُغَنِّي دِمَشْقُ وَحِمْصُ فِي خُطْبَةِ الدَّمِ
«سَنَسْقُطُ ظُلْمًا أَوْ نُقِيمُ المَدَائِنِ»
تَفَتَّحَتِ الأَرْوَاحُ فِي ضَوْءِ مَوْعِدٍ
يُهَزْهِزُ أَرْكَانَ السَّمَاءِ تَصُونُ
وَسَارَتْ جُمُوعُ النُّورِ، فِي كُلِّ سَاحَةٍ
كَأَنَّهُمُ المَوْتُ انْتَشَى فِي المَحَافِنِ
وَهَزَّتْ جِبَالُ الْبَيْضَةِ الأَرْضَ زَلْزَلًا
وَنَادَى شَبَابُ الحُرِّ: «لَا لِلْمَسَاجِنِ »
تَعَالَى صَدَى التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ
وَغَنَّى القَنَادِيلَ الشَّهِيدُ الدَّفَائِنِ
وَحِينَ أَتَى الرُّصَاصُ، لَمْ تَرْتَجِفِ الدِّمَا
بَلِ ازْدَادَتِ الأَكْفَانُ نُورًا وَيَاسِينِ
وَجَاءَتْ نِسَاءُ الشَّامِ، يَحْمِلْنَ دِمَاءَهُمْ
وَيَصْنَعْنَ مِنْهَا مِسْكَهُنَّ وَيَاسِمِينِ
وَنَادَى خَبَاءُ الدِّمَاءِ: «سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ ال
قَنَادِيلَ فِي عَيْنِ الشَّهِيدِ تَكَوُّنِ »
تَحَدَّرَ مِنْ صَوْتِ الْمَآذِنِ زَلْزَلٌ
يُرَجِّي الحُصُونَ وَيَكْسِرُ السَّكَاكِنِ
وَحِينَ سَقَطَ الأَوَّلُونَ عَلَى الثَّرَى
تَعَلَّمَ مِنْهُم كُلُّ جَيْلٍ فَنَائِنِ
هُوَ الحُرُّ يَبْكِي فِي خُطَى كُلِّ مِئْذَنٍ
وَيَسْقِي بِدَمْعِ الْقَهْرِ وَرْدَ المَيَادِنِ
في تلك الأيام، كان الدمُّ يُغنّي، وكانت الأرواحُ تتقدّمُ بخطًى من نارٍ ونشيد، تُصلّي وتثور، وتكتبُ على السماء أولَ سورةٍ في كتاب الحُرّيّة:
“اللهُ أكبرُ… والشعبُ لا يُقهَر”
حيث تتهاوى المدن في اللهيب، وتغدو السماء رمادًا،
في وصفٍ أسطوريٍّ لجحيم البراميل والكيماوي ودماء الأبرياء؟
؟ الفصل السابع: النارُ الكبرى (2012–2016)
«وحين امتلأت السماءُ رمادًا… وارتفعتِ الأرواحُ كالسُّهُد في صَلاةِ النار»
— على البحر الطويل، في ذروة المأساة الكونية —
تَفَتَّحَ جُرْحُ الأَرْضِ، وَانْشَقَّ سَمْكُهَا
وَصَاحَتْ مَدَائِنُنَا: كَفَى يَا مَدَافِنَا
حَلَبٌ تُقَطِّعُ فِي اللَّظَى أَحْبَالَهَا
وَتَرْقُصُ فِي نَارِ الخُيَانَةِ شَاجِنَا
وَفِي الغُوطَةِ الخَضْرَاءِ يَبْكِي هَوَاؤُهَا
سُمُومًا تُغَازِلُ أَضْلُعَ اليَاسِمِينَا
تَسَاقَطَ فِي حِضْنِ الرُّضُوعِ غَمَامُهَا
كَيَمٍّ تَدَفَّقَ فِي عُيُونِ الحَنَانِنَا
وَنَامَتْ دِمَشْقُ عَلَى المَقَاتِلِ حَافِيَةً
تُرَجِّي إِلَهًا أَنْ يُعِيدَ السَّكِينَا
بَرَامِيلُهُمْ تَهْوِي عَلَى النَّاسِ زَاحِفًا
كَمَوْتٍ يُنَادِي مِنْ سَمَاءٍ دَفِينَا
يَسِيلُ دَمُ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ كَأَنَّهُ
يُقِيمُ صَلَاةَ النُّورِ فِي المَيَّادِينَا
وَتَهْرُبُ مَآذِنُ حِمْصَ فِي لَهَبِ الْمُنَى
تُنَادِي: «أَنَا البَاقِيَةُ لِلصَّلَاةِ أَمِينَا»
تَفَتَّتَ مِنْ صَخْرِ الحَزِينَةِ أَضْلُعٌ
وَغَنَّى الرَّمَادُ عَلَى الرِّمَالِ أَنِينَا
فَلَا الغَيْثُ غَيْثٌ، لَا الرُّبَى رَبِعِيَّةٌ
وَلَا الطِّفْلُ يَحْلُمُ أَنْ يَرَى يَوْمَ فِينَا
تَخَلَّتْ سَمَاءُ الأَرْضِ عَنْ زُرْقِهَا، وَغَدَتْ
سَوَادًا يُعَاتِبُ شَمْسَهُ وَالطُّحِينَا
وَحِينَ تَبَدَّدَ صَوْتُ كُلِّ مَنَارَةٍ
تَكَلَّمَتِ الأَجْدَاثُ: «حَسْبُنَا اليَقِينَا»
فَغَابَتْ وُجُوهُ العَالَمِ المُتَفَرِّجِ ال
خَائِفِ، وَالضَّمِيرُ تَجَمَّدَ حِينَا
وَمَا بَيْنَ قَذْفٍ وَاغْتِيَالٍ وَمَذْبَحٍ
تَنَاثَرَتِ الأَرْوَاحُ نُورًا وَحِصِينَا
هكذا احترقَتْ المدنُ، وتحوّلَ الوطنُ إلى رمادٍ مقدّسٍ،
تتوضّأُ فيه الأرواحُ قبل ارتحالها.
كانت السماءُ تصرخُ بالنار، والأرضُ تُنْجِبُ من بين أضلاعها شُهداءَ كالنُّجوم، يُضيئون طريقَ الحرّيّة ولو على جثثِ الحلم.
ختام الفصل السابع: نذيرُ القيامةِ الثوريّة (2016–2018)
على البحر الكامل، تُطوى صفحة النار،لكنّ الرمادَ ما زال يتنفسُ لهبًا، وصوتُ الوطنِ من تحت الركامِ يقول: “لم أنتهِ…”
ها قدْ صَعِدنا من رمادِكَ ثائرًا،
مَن يُطفِئُ الإيمانَ إنْ يتجمَّرُ؟
ما ماتَ طفلٌ دونَ أنْ يَرنو إلى
فجرٍ سيأتي، فالشهادةُ تُزهِرُ
يا جرحَنا الأبديَّ، يا نارَ المدى،
منكَ القيامةُ بالكرامةِ تُثمرُ
سيعودُ مَن رحلوا على أملِ اللقا،
وسَيُرفعُ العَلمُ الذي لا يُنكَرُ
في الصمتِ يولدُ صرخةٌ متمرِّدٌ،
في الموتِ تُكتبُ أمةٌ لا تُقهَرُ
وهكذا تنطفئُ النارُ لتُضيءَ النور، وتتهيّأُ الأرضُ لرحلةِ التيهِ والمنفى، حيثُ يهاجرُ السوريُّ بحقيبةِ الحنين،
باحثًا عن وطنٍ يسكنُه… ولا يسكنُ فيه.
تكملة الفصل السابع: النارُ الكبرى (2012–2016)
البحر الكامل — نغمةُ المأساةِ والبطولةِ معًا.
تدمرْتِ يا وطني، فكيفَ أُخبِّرُكْ؟
أنِّي أراكَ وحولَكَ الجمرُ يَسْتَعِرُكْ
في كلِّ بيتٍ جُرحُ أمٍّ غائرٌ
وعلى الجدارِ صدى الوداعِ يُصوِّرُكْ
نارُ البراميلِ انهمتْ، لا ترحمُ ال
أطفالَ، لا صدرًا، ولا مَن يُجسِّرُكْ
غازُ الكيماويِّ ارتدى ليلَ الدُّجى
وغدا كسيفٍ في المدى يستنصِرُكْ
في خانِ شيخونَ المدى متفحِّمٌ
والعُمرُ يُطفَأُ، والسماءُ تُؤَزِّرُكْ
يا أمَّ آذارَ استعيدي دمْعَكِ ال
محزونَ، إنَّ البرقَ بعدُ يُبشِّرُكْ
لم تنطفئْ نارُ الكرامةِ، إنَّها
تعلو وإنْ ذلَّ الزمانُ يُقهقِرُكْ
هذي المذابحُ ما طوتْ أحلامَنا
بلْ زادَنا الموتُ اتّقادًا يُطهِرُكْ
نذيرُ القيامةِ الثوريّة (2016–2018)
يا شامُ، يا وجعَ الدهورِ، تنفَّسِي،
فالدمعُ في الأجفانِ صارَ يُزمجِرُكْ
هذي الجبالُ على الرُّكامِ تَهامَسَتْ:
“قوموا، فإنَّ المجدَ عادَ يُبشِّرُكْ”
من كربلاءِ الروحِ فاضَ شهيدُها
كالنورِ، يُهدي الدربَ حينَ يُسطِّرُكْ
يا أيُّها الزمنُ المضرَّجُ بالأسى،
مهلًا، ففي الجرحِ الخلودُ يُسطِرُكْ
والشمسُ تشرقُ من دماءِ أحبّتي
تُهدي القيامةَ، والمصيرُ يُفسِّرُكْ
وهكذا انطفأت النارُ في ظاهرها، لكنَّ جمرَها ظلَّ يشتعلُ في المنافي، والدمُ الذي صعدَ إلى المجدِ كالشمس، سيحملُ الوطنَ على أكتافِ المنفى القادم…
ختام الفصل السابع: نذيرُ القيامةِ الثوريّة (2016–2018)
على البحر الكامل، تُطوى صفحة النار،لكنّ الرمادَ ما زال يتنفسُ لهبًا، وصوتُ الوطنِ من تحت الركامِ يقول: “لم أنتهِ…”
ها قدْ صَعِدنا من رمادِكَ ثائرًا
مَن يُطفِئُ الإيمانَ إنْ يتجمَّرُ؟
ما ماتَ طفلٌ دونَ أنْ يَرنو إلى
فجرٍ سيأتي، فالشهادةُ تُزهِرُ
يا جرحَنا الأبديَّ، يا نارَ المدى
منكَ القيامةُ بالكرامةِ تُثمرُ
سيعودُ مَن رحلوا على أملِ اللقا
وسَيُرفعُ العَلمُ الذي لا يُنكَرُ
في الصمتِ يولدُ صرخةٌ متمرِّدٌ
في الموتِ تُكتبُ أمةٌ لا تُقهَرُ
وهكذا تنطفئُ النارُ لتُضيءَ النور،وتتهيّأُ الأرضُ لرحلةِ التيهِ والمنفى،حيثُ يهاجرُ السوريُّ بحقيبةِ الحنين،
باحثًا عن وطنٍ يسكنُه… ولا يسكنُ فيه.
الفصل الثامن: المنفى والشتات (2018–2025)
البحر الطويل —
غريبٌ أنا، والليلُ يُسدلُ سَترَهُ،
وأغني لوجهِ الشامِ عبرَ الغُرُبِ
أطوفُ على الأوطانِ، أحملُ ظلَّها،
كأنِّي أُعيدُ الروحَ بينَ التُّرُبِ
هنا طفلُ حِمصٍ في الخيامِ مبلَّلٌ
يُنادِي بلادًا ذابَتِ الآدابِ
وهذي نساءُ السُّوريينَ بُكاهُنَّ
نواحُ ثكالى في الرياحِ الصِّعابِ
سُفُنُ الغيابِ تُقلُّ أحلامَنا،
ونحنُ عليها نخشى المدى والعُقُبِ
يا بحرُ، هل ضاقتْ بكَ الأرواحُ أمْ
أنتَ اتَّسعتَ لدمعِنا المُنسَكِبِ؟
في كلِّ مطارٍ موطِئٌ للغربةِ ال
محمومةِ الأنفاسِ، سجنٌ رَطِبِ
يا شامُ، يا وجعَ الوجودِ تحيَّتي
ما عادَ غيرُكِ في الدُّنى مِنْ نَسَبِ
سأبقى أُغنّي ما استطعتُ لعِزّكِ ال
مَخنوقِ في حلقِ الرياحِ الغُضُبِ
حتى إذا عادَ المسافرُ راكعًا
عادَ الحنينُ ونامَ فوقَ التُّرُبِ
وفي المنفى، تنامُ طفولتُنا سُدًى،
ويحملُنا الشوقُ المُهيمُ بموكِبِ
كم أمٍّ على الأطلالِ قد همسَتْ: متى
يعودُ أبنائي إلى عُشٍّ خصيبِ؟
يا وطنًا، ضاقتْ خطاهُ بأهلِهِ
لكنَّهُ في الحلمِ حيٌّ يقتربِ
من كلِّ رُكنٍ في الشتاتِ أنينُنا
يصحو، ويكتبُ بالدموعِ المَذهَبِ
قد آنَ أن نُبعثْ كزهرٍ بعدَهُ ال
صيفُ القتيلُ، فنورُنا لم يَغتربِ
تكون الخاتمة جسرًا ناريًّا يربط النار بالمهاجر، والدم بالحنين.
الفصل الثامن: المنفى والشتات (2018–2025)
البحر الطويل
تسافرُ روحي في المنافي حائرةْ،
كأنَّ دروبي في الضياعِ دوائِرَهْ
أحملُ شتاتَ العمرِ فوقَ حقائبي،
وأسيرُ والذكرى تُؤجِّجُ سَائِرَهْ
يا شامُ، كم من لاجئٍ في صمتِهِ
يبكي، ووجهُ الحلمِ ماتَ نذائرَهْ
في كلِّ خيمةِ طفلِنا قمرٌ بَكَى،
والليلُ يخنقُ دفءَهُ وزرائرَهْ
يا بحرَ لسبوسٍ، أما شبعتَ دمًا؟
قد ضاقَ موجُكَ بالقلوبِ المائِرَهْ
كم أمٍّ ودَّعَتِ البلادَ وقدْ بَكَتْ،
مَنفيَّةً، والدهرُ عادَ يُسافِرَهْ
في كلِّ مطرٍ وجهُ حلبٍ يَسكُبُ ال
نوحَ الطويلَ، ونهرُها يتذكَّرَهْ
يا ليتَ منفى الأرضِ كانَ قصيدةً،
لكنَّهُ قبرٌ ننامُ نُسامِرَهْ
من ذا يُعيدُ لنا الصباحَ مكلَّلًا
بالعطرِ؟ من ذا يُرجِعُ الطينَ طاهِرَهْ؟
سنعودُ، يا وطنَ الحنينِ، فإنَّنا
نُقسمْ بأنَّ الصبرَ سوفَ يُفاخرَهْ
وها هي الريحُ تُنادينا بأسمائنا،والبحرُ يعيدُ إلينا صدى الأمل القديم، كأنّ المنافي كانت رحمَ القيامة، حيث تنبتُ الحريةُ من وجعِ الغياب…
الفصل التاسع: نداءُ الشهداءِ (2018–2023)
البحر الطويل
سَكَتَ المدى، فتنفَّسَتْ أرواحُنا،
كالنجمِ يُولدُ من لظى الإعصارِ
يا أيُّها الشهداءُ، هل تسمعونَنا؟
ها قد نُفِينا والرجوعُ نهاري
أنتمْ قناديلُ الدُّجى في ليلِنا،
تَهدي الدروبَ وتوقظُ الأحرارِ
من كلِّ جرحٍ في الثرى قُمنا معًا،
نُقسمْ بأنَّ الدمَّ غيرُ غُبارِ
يا مَن سكنتم في التُّرابِ طُهارةً،
أنتمْ حياةُ الأرضِ بعدَ دمارِ
كفّوا بكاءَ الغيمِ، إنَّ بكاءَكمْ
صارَ الربيعَ يفيضُ بالإزهارِ
نُسمّيكمُ أبناءَ فجرٍ خالدٍ،
نُصغي إليكمْ من صدى الأنهارِ
أنتمْ نداءُ الحلمِ في وطنِ الصِّبا،
ومدى الندى في رايةِ الأحرارِ
فإذا سقطنا، كنتُمُ أنشودةً
تُتلى على الأجيالِ في الأسحارِ
قد بُعثنا من رمادِكُمُ ضياءً،
لنصوغَ من أرواحِكمْ إعصارِ
ختام الفصل التاسع: النزوحُ والمنفى والبحر (2012–2023)
على مَوجِ هذا التيهِ قامتْ مقابرُ،
وفي كلِّ موجٍ نيّةٌ وازدهارُ
رحلنا، وفي أكفانِنا وطنٌ قضى،
وتبكي علينا في البحارِ بحارُ
طفا جسدُ الطفلِ الصغيرِ على المدى
كأنَّ بهِ معنى القيامةِ جارُ
هنا المخيَّمُ نامَ فوقَ ترابِهِ،
بردٌ وصمتٌ، والدموعُ نهارُ
يا أيُّها المنفى، كفاكَ، فإنَّنا
صرنا رمادًا والرجوعُ يُدارُ
لكنَّنا – واللهِ – إنْ غِبنا فما
ماتَتْ ملامحُنا، ولا الأحرارُ
سنعودُ يومًا، والسماءُ شهيدةٌ،
والبحرُ يفرشُ موجهُ أنوارُ
وهكذا يطوي المنفى آخرَ نَفَسِهِ، وتبقى الأرواحُ المهاجرةُ تحرسُ ذاكرةَ البلاد، كأنَّ في كلِّ غريبٍ وطنًا صغيرًا،وفي كلِّ موجةٍ نداءَ عودةٍ مؤجَّلة…
الفصل العاشر: خيانةُ العالم وصمتُ الأمم (2011–2024)
البحر الطويل
صَمَتَتْ قلوبُ الأرضِ، وانطفأَ الوَعْدُ،
وضاعَ نداءُ الحقِّ، واستُعبِدَ الحَدْدُ
نادَتْ دماءُ الشهداءِ: أما كفى؟
فأجابَها صَمَتٌ من القاراتِ يمتدُّ
كمْ أمّةٍ باعتْ ضميرًا ساجدًا،
ورضتْ بأنْ يُذبحَ الطُّفولُ ويُستَبدُّ
بياناتُ عارٍ كالمناحاتِ انتهتْ،
لا نَصرَ فيها، لا حَياةَ، ولا جَدْوَد
والليلُ يمسحُ في المآذنِ صوتَنا،
كي لا يُصلّي في المدى أحدُ
خانَتْ عيونُ الكونِ، خانتْ سمعَهُ،
وتواطأَ التاريخُ، وابتسمَ الجَلْدُ
لكنَّ فينا صرخةً تُشقي الدُّنا،
وتشقُّ ليلَ الخائنينَ وتستبدُّ
ختام الفصل العاشر: خيانةُ العالم وصمتُ الأمم (2011–2024)
يا أيُّها العالَمُ المخدوعُ هلْ
أغراكَ صمتُ الموتِ والميلادُ؟
كمْ قُريةٍ ذابتْ بأعينِ طفلِها
والحبرُ فوقَ المائدةِ الإسنادُ
باعوا دِماءَ النورِ في سوقِ الرِّيا
ءِ، وغابَ في دهليزِها الإنشادُ
أمٌّ تنادي والرسائلُ صامتٌ
وطفلُها في الطينِ يستِجدادُ
لا مجلسٌ صانَ الحقيقةَ مرّةً
ولا اتّحادٌ في الجريمةِ حادُ
أطفَوا الحريقَ على الشفاهِ نفاقَهُم
لكنَّ فينا من ضميرٍ عادُ
سَتقومُ من وجعِ الخيانةِ أمَّةٌ،
ما خانَها التاريخُ أوْ الأمجادُ
وهكذا يسدلُ الصمتُ آخرَ ستارِهِ،ويبقى السوريُّ واقفًا في وجهِ الريح، وحيدًا، لكنّ في عينيهِ مجرّةُ أمل، وفي دمهِ لغةُ اللهبِ والوعودِ التي لا تموت…
الفصل الحادي عشر: ثورةُ الجياع (2023) البحر الطويل – قافية حرف الحاء – لا خلل ولا زحاف ولا تكرار
تأوّهَتِ الأرضُ الجريحةُ من شحاحِ
وناحتْ على أطلالِها نَوحَ الرياحِ
في الجنوبِ نهضَ الفقيرُ كأنهُ
بركانُ جوعٍ لا يُداوى بالجراحِ
صاحتْ بطونُ الجائعينَ بوجهِهمْ
“لن يُخرِسوا صوتَ الكرامةِ بالسلاحِ”
يا خبزَنا المسلوبَ من أفواهِنا،
قد عُدتَ رمزا لا يُباعُ بارتياحِ
من درعا إلى السويداءِ نارُهُمُ
تروي المدى بالصدقِ بعدَ اجتياحِ
يا ثورةَ الجوعِ التي أشرَعتِ ال
وجدانَ سيفًا في يديّ الصباحِ
منكِ ابتدأ التاريخُ يكتبُ فجرَهُ،
وتهاوتِ الأوثانُ من وَهْمِ الرماحِ
عادَ النداءُ، فأينَ يُطفَأُ صوتُهُ؟
إنَّ الشعوبَ إذا استغاثتْ بالنجاحِ
عادَ الفقيرُ إلى الميادينِ اشتعلْ
والجوعُ في أعماقِهِ سَيّاحُ
هَبَّ الجنوبُ كأنَّ فيهِ ملحمةٌ
والشمسُ تصرخُ: لا يُهانُ سلاحُ
يا خبزَنا المسروقَ عدْ، فبعودِهِ
تُزهرُ قلوبُ الناسِ والأرواحُ
في كلِّ شارعِ ثائرٌ متّقدٌ
والحلمُ يكتبُ نفسَهُ وضّاحُ
ما عادَ يُسكتُ جائعٌ عن غصّةٍ
فالجوعُ نارٌ، والسكوتُ سُفاحُ
يا ثورةَ الجياعِ، مدي جناحَكِ في ال
أرضِ التي من لحمِنا تُستباحُ
ها إنَّ فجرًا آخرًا يتكوّنُ ال
آنَ، النُّهودُ تصيحُ، والأقداحُ
قد آنَ للثوراتِ أنْ تتجدَّدَا
وتعودَ شمسُ الحرِّ والأفراحُ
ختام الفصل الحادي عشر
وهكذا قامتْ من الجوعِ ملحمةُ الأمل، اشتعلَ الجنوبُ نارًا من الكرامة،وسالَ الحنينُ في عروقِ الثورةِ من جديد،ليُبشّرَ التاريخُ بولادةِ الصبحِ الموعود…
ففي البعيدِ، يُرى ظلٌّ يترنّحُ فوقَ قصرٍ آيلٍ للسقوط،
وصوتٌ من خلفِ الجدارِ يقولُ:
“اقتربَ يومُ الحسابِ يا من سفكتَ الأرواح…”
ختام الفصل الحادي عشر: ثورةُ الجياع (2023)
قد قامَ من بطنِ المهانةِ جائعٌ،
يَرنو إلى فجرٍ، بهِ الأمجادُ
من جوفِ درعا هبَّ صوتُ كرامةٍ،
فتزلزلتْ أركانُها والسادُ
قالوا اشتروا الخبزَ انحناءً، قلْتُ لا،
فالخبزُ بالذلِّ المُباعُ كسادُ
هبُّوا، فليسَ العُمرُ يُشترى بثمنٍ،
إنَّا على الجوعِ الشديدِ صمادُ
والأرضُ ترتجُّ من الوعْدِ الذي
خطّتْهُ أرواحٌ لها إصرادُ
فليشهدِ التاريخُ أنّا أمّةٌ
ما ذلَّها جوعٌ، ولا الإبعادُ
وهكذا يُختتمُ جوعُ الكرامةِ بنداءِ الغضب، تُفتحُ الأبوابُ للزحفِ العظيم، ويعلو في الجنوبِ صوتُ الهدير:
“لن نعودَ إلى الصمتِ بعدَ الآن”
الفصل الثاني عشر: سقوطُ الطاغية (8 كانون الأوّل 2024)
البحر الطويل
يا فجرَ هذا الشعبِ، قد آنَ السَّفرْ
وانهدَّ عرشُ الظلمِ، واندكَّ الخَطَرْ
كمْ عاشَ طاغوتُ الجريمةِ سادنًا
واليومَ يسقطُ في المهاوي واحتضرْ
ها إنَّ درعا قد كتبتْ أسطورةً
ما دونَها إلّا الملاحمُ والسُّوَرْ
قد عادَ حرٌّ من قيودِ مهانةٍ
ورَفَتْ لهُ شمسُ البلادِ المنتظرْ
يا أمَّةً عانتْ وصبراً علَّمَتْ
ها أنتِ تُنجِزُ ما توارى في السَّيَرْ
أبشِرْ بثأرِ الوردِ من جلّادهِ،
فالظلمُ يُزهَرُ حينَ يُسقِطُهُ القدَرْ
ماتَ الطغاةُ، وما بقيتْ سيوفُهمْ،
إلّا رمادًا خائفًا ممّا نُثِرْ
والشعبُ قامَ على الركامِ منادياً:
“لن يُطفِئوا هذا الضياءَ إلى الأبدْ يا بشرْ”
ها قدْ بكى الليلُ الطويلُ على السَّفَرْ
وانجابَ وجهُ الموتِ، وانهارَ الحَجَرْ
سقطَ الطغاةُ، وما بَقِيَ سِواهُمُ
خوفٌ يُنازِعُ في القصورِ ويحتضِرْ
كمْ قالَ شعبٌ “لن نعودَ” فها هُنا
عادَ انتصارُ النورِ بعدَ المنتظَرْ
من كلِّ سجنٍ عادَ طيفُ شهيدِهِ
يُزغردُ الأحرارُ والدمعُ انهمرْ
يا أمَّةَ العزمِ التي ما خانَها
ليلٌ، ولا خانَ الدروبَ مُنتصِرْ
هذي الجموعُ تلوِّحُ الأعلامَ في
وجهِ الزمانِ، وتستعيدُ المُعتَبَرْ
سقَطَ النظامُ، فكلُّ جرحٍ باسِمٌ
يُغنّي على أنقاضِهِ “قد انتصرْ”
ختام الفصل الثاني عشر
سقوطُ الطاغية (8 كانون الأوّل 2024)
القافية: الراء — البحر الطويل
ها قدْ تداعى عرشُهُ وتفكّرا،
وسرى المفرُّ بليلِهِ المُستَسْتَرَا
هربَ الجبانُ، وباتَ صوتُهُ كالوَغْ
رِ في الرياحِ يذوبُ لا يُستذكَرَا
كمْ حاصرَ الأحرارَ ثمّ تكسّرَت
أصفادُهُ لما تمزّقَ وانهَصَرَا
عادَ الأسارى من رمادِ صبرِهمْ،
كالنورِ يُشعلُ في الدجى ما أبهَرَا
وطنٌ تنفّسَ بعدَ طولِ أنينِهِ،
ورفرفتْ راياتُهُ حتّى السَّحَرَا
يا أُمَّةَ الشهداءِ، هذا يومُكُمْ،
فاكتبْ على التاريخِ “قُدنا القَدَرَا”
الفصل الثالث عشر: الوصيّةُ والخلود
عهد الأجيال، وبقاء سوريا الحرة للأبد
البحر الطويل
سوريةُ الحُرّةُ ابقَي، إنَّنا
عهدُ الخلودِ نُقيمُهُ للأُمَمِ
دمُ الشهادةِ في ثراكِ رسالةٌ
قدْ خُطَّ بالأنوارِ لا بالكَلِمِ
يا أمَّةَ التاريخِ يا قبسَ الهدى،
يا منبتَ الأحرارِ منذُ القِدَمِ
جيلٌ يُسلِّمُ رايةَ العزِّ الّتي
صانَتْ كرامتَهُ، وسيفَ الهممِ
قد مرَّ قرنٌ، لا تُغيِّرُ عزَّنا
ريحٌ، ولا يَثنِي الرِّجالَ العدمِ
من كلِّ قبرٍ ينهضُ الأجدادُ في
نا شامخينَ، يردِّدونَ القسمِ
“لن تُنكَسَ الأعلامُ ما عشنا، ولنْ
يُطفَأْ لنا نجمٌ، ولا يُستَحْلَمِ”
فالفجرُ موعودٌ، وإنْ طالَ الدُّجى
سيعودُ فجرُ النصرِ بعدَ العَلَمِ
خاتمة المعلّقة الكبرى
وهكذا يا وطنَ النورِ والدمِ والعزيمة، تنتهي المعلّقة لا بنقطةٍ…
بل بفجرٍ أبديٍّ يشرقُ من دماءِ الشهداء.
سوريا باقيةٌ، لأنّها ليست أرضًا فحسب، بل وصيّةُ التاريخِ، وصلاةُ الخلودِ في وجدانِ الأحرار.
النشيدُ الختاميّ — العهدُ المقدّسُ لسوريّا الخالدة
نُقَسِّمُ باسمِ الأرضِ أنّا لَها الحُصْنُ
والرُّتْبُ وأنَّا على دربِ الفِداءِ لنا النَّصْبُ
سوريّا، إليكِ العهدُ ما دامَ في الورقِ النبضُ
وما دامَ في صدرِ الشّهيدِ لظى الحُبُّ
سنحمي ثراكِ الطاهرَ الحرَّ ما حَيِيتْ
قوافينا، والحقُّ فينا لهُ الصَّلْبُ
إذا نادى المجدُ ارتفعنا لهُ قَدَرًا
كأنَّا لهُ السّيفُ الذي لا يُرى العَجْبُ
فيا موطنَ الأحرارِ تبقى لنا عَلَمًا
يُرفرفُ في الدنيا وإن خبتَ الشُّهُبُ
نُقَسِّمُ يا سوريّا على الدربِ أنْ نُصونْ
وأنْ نرفعَ الأعلامَ حتّى يَطولَ الكونْ
على الأرضِ ميثاقٌ لنا لا يُدانُ
فيُخْوَنُ العهدُ أو تَستَبيحَ دماءَنا الطاغونْ
وأنَّا لأحرارٍ إذا الليلُ عاثَ فيا نُضيءُ
بوجهِ الفجرِ ما أطفأتهُ القرونْ
بلادُ العُلا تبقى وإن جارَ من جَنَوا
ففيها رُبى المجدِ استوى وسما الزيتونْ
إذا مِتنا قامتْ من رُفاتِنا أُممٌ
تُعيدُ النداءَ الخالدَ الميمونْ
سوريّا، على العهدِ الذي لا يزولُ لنا قَسَمٌ
كضياءِ الحقِّ ما دامَتِ السُّنونْ