أَنَا مِنْ فِلَسْطِينَ الَّتِي لَا تَنْحَنِي
مَهْمَا تَبَدَّلَتِ الدُّرُوبُ سِنِينَا
مِنْ أَرْضِ زَيْتُونٍ إِذَا نَادَى الْمَدَى
رَدَّتْ جِبَالُ الْقُدْسِ فِينَا الْحَنِينَا
وُلِدْتُ بَعِيدَةَ خُطْوَةٍ عَنْ تُرْبِهَا
لَكِنَّهَا سَكَنَتْ دَمِي تَكْوِينَا
لَا تَسْأَلُوا الْمَنْفَى إِذَا نَادَيْتُهَا
فَالأَرْضُ تَعْرِفُ أَهْلَهَا وَالطِّينَا
أَحْمِلْتُ فِي صَدْرِي بِلَادًا كُلَّمَا
ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ صَارَتْ دِينَا
فِلَسْطِينُ لَيْسَتْ قِصَّةً أَرْوِيهَا
فِلَسْطِينُ نَبْضٌ لَا يَمُوتُ يَقِينَا
أَنَا بِنْتُ أَرْضٍ عَلَّمَتْنِي عِزَّتِي
أَلَّا أَبِيعَ الْحَقَّ لَوْ يَغْلِينَا
أَمْشِي غَرِيبَةَ مَوْلِدٍ وَإِقَامَةٍ
لَكِنَّ صَوْتَ الْقَلْبِ ظَلَّ فِلَسْطِينَا
غَزَّةُ، وَيَا جُرْحَ الْكَرَامَةِ إِنَّنِي
أَبْكِي عَلَيْكِ وَأَرْفَعُ التَّكْبِيرَا
فِيكِ الطُّفُولَةُ تَسْتَغِيثُ بِدَمْعِهَا
وَالأُمُّ تَحْمِلُ صَبْرَهَا تَصْوِيرَا
فِيكِ الْبُيُوتُ إِذَا تَهَدَّمَ سَقْفُهَا
بَنَتِ الدُّعَاءَ عَلَى الرَّجَاءِ جُسُورَا
فِيكِ الْقُلُوبُ وَإِنْ أَحَاطَ بِهَا الْأَسَى
تَبْقَى تُقَاوِمُ بِالصُّمُودِ مُرُورَا
يَا غَزَّةَ الْعِزِّ الَّذِي لَا يَنْتَهِي
يَا صَوْتَ حَقٍّ أَخْجَلَ التَّقْصِيرَا
مَا كُنْتِ يَوْمًا عَابِرًا فِي حُزْنِنَا
بَلْ كُنْتِ فِي وَجْدَانِنَا تَأْثِيرَا
فِي كُلِّ طِفْلٍ مِنْكِ أَلْفُ حِكَايَةٍ
وَفِي كُلِّ أُمٍّ صَبْرُهَا قَدْ صَارَ نُورَا
وَفِي كُلِّ شَارِعِكِ الْحَزِينِ كَرَامَةٌ
تَأْبَى السُّقُوطَ وَتَحْمِلُ التَّحْرِيرَا
أَنَا لَسْتُ أَمْلِكُ غَيْرَ صَوْتِي وَالدُّعَا
وَالْقَلْبِ حِينَ يَصُوغُ فِيكِ شُعُورَا
لَكِنَّ صَوْتِي إِنْ تَحَرَّكَ صَادِقًا
صَارَتْ حُرُوفِي فِي السَّمَاءِ طُيُورَا
يَا مَوْطِنِي الأَوَّلَ، يَا سِرَّ الْهَوَى
يَا مَنْحَةً فِي الرُّوحِ لَا تَغْدُورَا
مَهْمَا ابْتَعَدْتُ فَإِنَّنِي مِنْ أَهْلِهِ
وَالْقَلْبُ يَعْرِفُ أَصْلَهُ مَغْرُورَا
لَا الْغُرْبَةُ الْبَيْضَاءُ تَنْسَخُ هُوِيَّتِي
وَلَا الْمَدَائِنُ تَسْتَبِيحُ جُذُورَا
أَنَا فِلَسْطِينِيَّةُ الرُّوحِ الَّتِي
تَهْوَى الْعُرُوبَةَ مَوْقِفًا وَحُضُورَا
أَرْثِي وَأَفْخَرُ، وَالدُّمُوعُ عَزِيزَةٌ
فَالْحُزْنُ حِينَ يَصُونُ حَقًّا نُورَا
إِنْ قَالَ لِي زَمَنُ الْمَنَافِي: مَنْ أَنَا؟
قُلْتُ: الَّتِي حَمَلَتْ دَمًا مَنْصُورَا
مِنْ أُمَّةٍ لَا تَسْتَكِينُ لِظُلْمِهَا
وَتُرَدِّدُ التَّارِيخَ فِيهَا فَخُورَا
سَتَظَلُّ غَزَّةُ فِي الضَّمِيرِ عَزِيزَةً
وَسَتَبْقَى فِلَسْطِينُ فِينَا سُورَا
وَسَأَبْقَى أَرْفَعُهَا اسْمًا وَرَايَةً
مَا دَامَ فِي صَدْرِي الْحَنِينُ ضَمِيرَا
فَإِذَا سَأَلْتُمْ عَنْ هَوَايَ وَمَوْطِنِي
فَفِلَسْطِينُ قَلْبِي... وَالْهُوِيَّةُ فِينَا