أرِقتَ يا صبُّ من فرْط الجوَى ليلا
ولستَ تصبو، إلى نُعْمٍ ولا ليلَى
ولا أرَقْتَ على الأطلال دارسَةً
وَبْلَ الشئون ولا أسقيتَها طلاّ
ولا شجتْكَ على الأغصان ساجعةٌ
يُجيبُها سحَراً محزونةٌ ثكلى
ولا علقتَ بما تسبي محاسنَه
سواك كلاّ ولا أتبعتَه مَيْلا
لله نفسُك عرشُ المجد من قدمٍ
يجرُّ فوق ذرى عليائِه ذَيْلا
سمت بها همّةٌ في المكرمات فلن
ترى لحبِّك في هذا الورى أهْلا
فما لها اليوم يطويها وينشرها
من حَرِّ وجْدِك ما أبقى وما أبلى
وما لمهجتك الحرَّى تذوبُ أسًى
وما لأحشاك في نار الجوى تصْلى
أفنيتَ روحك طوعاً في الغرام وقد
أضحى فؤادُك من أشواقِه يبلى
فالحبُّ لا يرحم العشاقَ لاعجُه
وليس يرقب في أهل الهوى إلاّ
بَرَتْكَ لوعتُه حتى خفيتَ ضنًى
وكم تجرَّعتَ في لذّاته مهْلا
فكيف تخفيه والآثار شاهدةٌ
وكيف تخفي المنايا أنفسَ القتلى
تبدو شواهدُ بلواه وما فتئَتْ
آياتُ محوِك في ألواحه تُتْلى
فليت شعري بمن يا صبُّ هِمْتَ ولم
تجعل لروحك من حب السِّوَى شُغلا
من ذا الذي فيه أحسنت التخلُّصَ من
نفسٍ ترى بذْلها من بعض ما قلاَّ
يا صاحِ هذا الذي في حبِّه فنيتْ
روحي وفيه نَعمْ تستعذبُ القتلا
أُخفي غرامي به صونًا لرفعتِه
فلستُ للقُرْبِ من عليائه أهلا
يطيب لي فيه تعذيبي ولي ولعٌ
بكأسِ حتْفي فما أهنا وما أحلى
أُجلْه أن يرى مِثْلي به كلِفًا
وقد تحمَّلتُ من إصْر الوَنَى حملا
ومذهبي أنه يسمو ويعظم إن
يبدي لسانيَ في أوصافِه قولا
وكيف يُوصف والأكوانُ قاطبةً
في ظلِّ أعتابه تسْتمطرُ الفضْلا