أدُرٌّ ما ترصِّع، أم كلامُ
وسحرٌ ما تُشعشع أم مُدامُ
لسحركَ سُورةٌ ملكتْ جَناني
كما يتملَّكُ الصبَّ الغرام
عهدتُ السحرَ يُنسب والحُمَيّا
«لبابلَ» وهي مهدُهما القِدام
«فهاروتٌ» هناك له مقامٌ
وكرمٌ قد تكرَّمَ فيه «سام»
فكيف تحوَّلا «للسوق» قل لي
وساقهما إليك الإنسجام
وكيف توحَّدا أثرًا وفعلاً
وتمَّ مع التنافي الإلْتِئام
وكيف ملكتَ رقَّهما وحَلاّ
وإنهما بلا ريبٍ حرام
وهَبْ للسحر في الألفاظ مجلىً
أفيها لابنةِ العنقود جام
سكبتهما مزيجًا بالقوافي
فأدنى فِعْلِ أدناها الهُيام
رأيت الشعرَ مرآةَ المزايا
وخيرُ الشعرِ ما قال الكرام
وأقوى الشعر أصدقُه شعورًا
عليه قلبُ صاحبه وِسام
يجيئك سالمًا من كل حشوٍ
مطيعًا لا يُساوره عُرام
يوقِّعُه ملاكُ الفَنِّ لحنًا
له في روح سامعِهِ ارتسام
وأسمى الناس عاطفةً أديبٌ
تشيع به المحبَّةُ والوئام
وما السهلُ المنيعُ سوى قريضٍ
تَخيُّلُه يُرام ولا يرام
يزفُّ لك المعاني كالعذارَى
سوافرَ ما لأوجهها لثام
تَرشَّفُها بسمعك وهي تُجلى
عرائسَ في القلوب لها خيام
وليس الشعر أوزانًا وضربًا
كما زعموا وقافيةً تُقام
يُجاءُ بها سلاسلَ أو قيودًا
مضاعفةً يضيق بها الكلام
ولكن للشعور الشعرُ يُنمى
فللشعر الشُّعورُ هو القوام
بحور الشعر لؤلؤُها المعاني
وغائصُها الخيال المسْتهام
وكم من فارقٍ ما بين شعرٍ
ونظمٍ كلُّ عارضِهِ جَهام!
إذا ما الشعرُ لم يهززْ كياني
فلا كان العروض ولا النظام
وكم بيتٍ يساوي ألفَ قصرٍ
مساومةً وبيتٍ لا يُسام!
وأنغامٍ تدوم مع الليالي
وأخرى ما لها أبدًا دوام
وبعض النظم جعجعةٌ وبعضٌ
رغاءٌ أو ثغاءٌ أو بُغَام
وبعضٌ كالطلاسم ذو غموضٍ
تغيب به المعاني أو تُغام
وفي الأدبِ الرفيع نفوسُ قومٍ
أُقيمَ بهم لهيكله الدِّعام
بفردوسِ القريضِ لهم مَقيلٌ
لهم بعد الجهاد به جِمام
عَرَفْتهُمُ ولم أرَهم بعيني
وما بيني وبينهُمُ الرِّجام
فهم صحبي على رغم المنايا
وللأحقاب دونهمُ الرغام
دع التاريخ يطوي كلَّ جيلٍ
فليس بخالدٍ إلا الهُمام
وللباقين روحٌ مُستمدٌّ
من الماضين يبعثُه العِظام
روى للناس هذا الدهرُ شعرًا
وشابَ وما رواه لهم غلام
إليك أبا الجوادِ يَفيءُ شعري
وشكري والتحيةُ والسلام
لقد أرسلتَ لي ستين بيتًا
كشؤبوبٍ يُصوِّبُه غمام
فوافتني وللحُمّى بِجِسْمي
ضِرامٌ لا يُدانيه ضرام
جحيمٌ لا يُنجِّي الناسَ منها
صلاةٌ لا ولا يُجدي صيام
تُعَدُّ لها المطافي من زجاجٍ
ومن إِبَرٍ لهنَّ به التحام