أأبا عليٍّ هل أتاك نداءُ
من عند ربّك حين حانَ مساءُ؟
فأجبتَهُ شوقًا لربك مسرعًا
وعلمتَ أن العالمين فناء
يا راحلاً عنَّا لقد أوحشْتَنا
فالموتُ بعدك والحياة سواء
لقد ازدراك الجاهلون وما دروا
أنّ ازدراءك رفعةٌ وعَلاء
ولكم صبرتَ وما اصطبارُكَ خشيةً
من فِعْلهم بل هكذا الفُضَلاء
ولكم نصحت الغافلين بجُرأةٍ
وصراحةٍ إذ قلَّت النصحاء
عكفوا على تلك المزلاّت التي
نوَّهْتَ عنها أنها أهواء
وجرائدٌ قد جَرَّدَتْ ألبابَهم
عن كل ذكرٍ للقلوب جَلاء
كم قلتَ يا قومُ اسمعوا لي برهةً
وتدبّروا القرآنَ فهو شفاء
وتفقَّهوا في الدين فهو دليلكم
نحو السعادة أيها الجهلاء
فتهامسوا ضحكًا عليك سخافةً
تبّاً لقومٍ للنصيح أساءوا
وتفرّقوا في كل نادٍ ضَمَّهم
ولهم على أشباههم خُطَبَاء
يتنافسون بكل قولٍ فاحشٍ
ضدَّ النصيح فلا يفيد نداء
لما رأيتَ القومَ قومَ تخاذلٍ
عمَّتْهمُ الفوضاءُ والشحناء
وسئمتَ من تلك الحياة وعبْئها
وغدت تُخيفك هذه الغوغاء
وأَيسْتَ من تقويمهم وصلاحهم
ناديت إني منكمُ لبَراء
أزمعتَ ترحالاً ولست بآسفٍ
دعْ هذه الغوغا فهُمْ سفهاء
ذكَرُوك لما أنْ رحلت وهكذا
بعد المنيّة تُذكَرُ الصلحاء
أنا يا «حسينُ» وأنت في هذي الدنا
نُمسي ونُصبح كلنا غرباء
إني وحقِّك يا حسينُ سئمتُ من
تلك الحياةِ وملَّني القرباء
واليومَ قد فارقْتَها وسبَقْتني
إن الحياة لمحنةٌ وعناء
إن كنت يا «صخرَ» الأخوَّةِ راحلاً
فاعلمْ بأني بعدك «الخنساء»
فلأنظمنَّ من القريض مراثيًا
عن مثلها قد تعجز الشعراء
ما لي سوى نظْمِ القصيد مُساجلٌ
ومُسامِرٌ ومُؤانِسٌ وعزاء