تخطَّ إلى المحتوى

أيها الشعب ليتني كنت حطا

غير معروف

٥٩ بيت

المتفرقات

أيها الشعبُ! ليتني كنتُ حَطّا

باً، فأهوي على الجذوع بفأسي!

ليتني كنتُ كالسيول، إذا سا

لتْ، تهدّ القبورَ رمساً برمسِ!

ليتني كنتُ كالرياح، فأطوي

كلَّ ما يخنق الزهورَ بنحسي!

ليتني كنت كالشتاء، أُغشّي

كلَّ ما أذبلَ الخريفُ بقَرْسي!

ليت لي قوّةَ العواصفِ، يا شَعْ

بي، فأُلقي إليكَ ثورةَ نفسي!

ليت لي قوةَ الأعاصيرِ، إن ضَجْ

جَتْ، فأدعوكَ للحياة بنبسي!

ليت لي قوةَ الأعاصيرِ! لكنْ

أنتَ حيٌّ، يقضي الحياةَ برمس!

أنتَ روحٌ غبيّةٌ، تكره النُّو

رَ، وتقضي الدهورَ في ليل مَلْس

أنتَ لا تدرك الحقائقَ إنْ طا

فَتْ حواليكَ، دون مسٍّ وجَسّ

في صباح الحياةِ ضمّختُ أَكْوا

بي، وأترعتُها بخمرة نفسي

ثُمّ قدّمتُها إليكَ، فأهرقْ

تَ رحيقي، ودستَ يا شعبُ كأسي!

فتألّمتُ، ثمّ أسكتُّ آلا،

مي، وكفكفتُ من شعوري وحِسّي

ثُمَّ نضّدتُ من أزاهير قلبي

باقةً لم يمسّها أيُّ إنسي

ثم قدّمتُها إليكَ، فمزّقْ

تَ ورودي، ودستَها أيَّ دوس

ثم ألبستَني من الحزن ثوباً

وبشوك الجبال تَوّجتَ رأسي

إنني ذاهبٌ إلى الغاب يا شَعْ

بي لأقضي الحياةَ، وحدي، بيأس

إنني ذاهبٌ إلى الغاب، علّي

في صميم الغاباتِ أدفن بؤسي

ثم أنساكَ ما استطعتُ، فما أَنْ

تَ بأهلٍ لخمرتي ولكأسي

سوف أتلو على الطيور أناشي

دي، وأُفضي لها بأشواق نفسي

فهي تدري معنى الحياةِ، وتدري

أنّ مجدَ النفوسِ يقظةُ حسّ

ثم أقضي هناك، في ظلمة اللَّيْ

لِ، وأُلقي إلى الوجود بيأسي

ثم تحت الصنوبرِ، الناضر، الحُلْ

وِ، تخطّ السيولُ حفرةَ رمسي

وتظلّ الطيورُ تلغو على قَبْ

ري، ويشدو النسيمُ فوقي بهمس

وتظلّ الفصولُ تمشي حَوالَيْ

يَ، كما كُنَّ في غضارة أمسي

أيها الشعبُ أنتَ طفلٌ صغيرٌ،

لاعبٌ بالتراب والليلُ مُغْس!

أنتَ في الكون قوةٌ، لم تَسُسْها

فكرةٌ، عبقريّةٌ، ذاتُ بأس

أنتَ في الكون قوةٌ، كبّلتْها

ظلماتُ العصورِ، من أمس أمس

والشقيُّ الشقيّ من كان مثلي

في حساسيّتي، ورقّةِ نفسي

هكذا قال شاعرٌ، ناولَ النّا

سَ رحيقَ الحياةِ في خير كأس

فأشاحوا عنها، ومرّوا غضاباً

واستخفّوا به، وقالوا بيأس

«قد أضاع الرشادَ في ملعب الجِنْ

نِ فيا بؤسَه، أُصيبَ بمَسّ»

«طالما خاطب العواصفَ في اللَّيْ

لِ، وناجى الأمواتَ في غير رمس»

«طالما رافقَ الظلامَ إلى الغا

بِ، ونادى الأرواحَ من كلّ جِنْس»

«طالما حدّثَ الشياطين في الوا

دي، وغنّى مع الرياح بجَرس»

«إنه ساحرٌ، تُعلّمه السِّحْ

رَ الشياطينُ، كلَّ مطلعِ شمس»

فابعدوا الكافرَ الخبيث عن الهَيْ

كلِ، إنّ الخبيث منبعُ رِجس»

«اطردوه، ولا تُصيخوا إليهِ

فهو روحٌ، شرّيرةٌ، ذات نحس»

هكذا قال شاعرٌ، فيلسوفٌ،

عاش في شعبه الغبيّ بتعْس

جهل الناسُ روحَه، وأغاني

ها، فساموا شعورَه سَوْمَ بخس

فهو في مذهب الحياة نبيٌّ

وهو في شعبه مُصابٌ بمَسّ

هكذا قال، ثم سار إلى الغا

بِ، ليحيا حياةَ شِعْرٍ وقُدس

وبعيداً هناك في معبد الغا

بِ الذي لا يُظلّه أيُّ بؤس

في ظلال الصنوبرِ الحلو، والزَّيْ

تُونِ، يقضي الحياةَ حَرْساً بحرس

في الصباح الجميل، يشدو مع الطَّيْ

رِ، ويمشي في نشوة المتحسّي

نافخاً نايَه حواليه تَهتَزْ

زُ ورودُ الربيعِ من كلّ قَنس

شَعْرُه مُرسلٌ، تداعبه الرِّي

حُ على منكبيه مثل الدِّمَقْس

والطيورُ الطّراب تشدو حوالَيْ

هِ، وتلغو في الدوح، من كلّ جنس

وتراه عند الأصيلِ، لدى الجَدْ،

وَلِ، يرنو للطائر المتحسّي

أو يغنّي بين الصنوبرِ، أو يَرْ

نو إلى سُدفة الظلامِ الممسّي

فإذا أقبلَ الظلامُ، وأمستْ

ظُلُماتُ الوجودِ في الأرض تُغْسي

كان في كوخه الجميلِ، مقيماً

يسأل الكونَ في خشوعٍ وهمس

عن مصبّ الحياةِ، أين مَداه؟

وصميمِ الوجود، أيّانَ يُرسي؟

وأريجِ الورود في كل وادٍ

ونشيدِ الطيورِ، حين تُمسّي

وهزيمِ الرياح، في كلّ فَجٍّ

ورسومِ الحياةِ من أمس أمس

وأغاني الرعاةِ أين يواري

ها سكونُ الفضا، وأيّانَ تُمسي؟؟

هكذا يصرف الحياةَ، ويُفني

حلقاتِ السنين حَرْساً بحرس

يا لها من معيشةٍ في صميم الْ

غابِ تُضحي بين الطيورِ وتُمسي!

يا لها من معيشةٍ، لم تُدنّسْ

ها نفوسُ الورى بخُبثٍ ورجس

يا لها من معيشةٍ، هي في الكَوْ

نِ حياةٌ غريبةٌ، ذات قُدْس