يا صبًا ذكَر أيَّام الصّبا
فرَنَتْ عينى وقلبى قد صبَا
ورأيتُ البرق يزهو بالسنا
فنما العشق زهورًا ورُبَى
أمطر الحبّ اشتياقًا وجوًى
فكسا الخضرةَ قفرًا أجدبَا
والّذى كان ظلامًا حالكًا
صار بالاشراقِ نورًا ما خبَا
كم ذكرنا عندها من معهدِ
ذاب دمع العين فيه عجبَا
رحلةٌ قمنا بها نحو الجنوب
فصفت منها نفوس وقلوبْ
كنتُ فيها باصطاب العلما
فى دروب الهَديِ نسعى ونجوبْ
فى مغانٍ كم تمنيت بها
لو ألاقى فى ثناياها الحبيبْ
فنغنى بين زهْرٍ وورود
مثلما غنى بذاك العندليبْ
كلّما وسوس شيطانُ الهوى
نذكر الله، فنبكى ونتوبْ
وطلعنا عندها "تل الجذام"(١)
فرأينا قدرة الله القديرْ
فذكرنا الله فى أدغاله
وحثثنا السير صعدًا بالزفيرْ
سل هناك الدربَ كم طاب المسير
وانتشقنا العطر فيه والعبيرْ
هاهنا وادي شجيراتِ الهوى
وهنا يجرى غديرٌ بنميرْ
عجبى منه بفكري ما انقضى
وخيالى منه حيرانُ حسيرْ
ذكرياتٌ طوّفت بى بين بين
وأسالت من دموع المقلتينْ
وأهاجت ما بقلبى من هوى
لحبيب فى ضلوع الجانبينْ
فاشتياقى له أورى مهجتى
وادّكارى له أدمى الناظرينْ
كلما طاف خيالى فى الفضا
خِلتُه يختال بين النيّرينْ
لم أزل أذكرهُ منذ ارتحل
عن عيونى وفؤادى قد حللْ
يرشق السهم فيسبى خاطرى
رائقَ المبسم حوريَّ المقلْ
يا رشيقَ الخطو مهلا، هكذا
حَوَر العينين أصمى وقتلْ
يا مُدِلًّا بخطاه فوقنا
خطوُك اليوم حِمى القلب استحلّْ
فاغتفر مُرَّ عذابى بك يا
من يُرينى فى حماه ما يجلّْ
لستُ أدرى يا شبيها بالعذاب
أوَ أنت الماء أم أنت السرابْ
فى سماء الحبّ هل أنت الذى
إن دعاك الصبّ ترمى بالشهابْ
فى بحار الحب هل أنت الذى
اذ يعوم الصب ترغى بالعبابْ
وإذا ما غام أفق فى السما
وارتجى الظامىءُ رِيًّا من سحابْ
فرّقت كفُّك غيمات الرجا
فاختفى الغيم وولى ثم غابْ