بانَ الحبيب فَأَضحى القَلبُ مُضطرِباً
يُذيبُ في جَمرِهِ ما كانَ كِتمانَا
وَمَالَ رَكبُ النَّوى عَنِّي فَما سَكَنَتْ
لِلقَلبِ بَعدَهُمُ نَفسٌ وَرَيحانَا
يا دَارُ ما بالُ ظِلِّي بَعدَكُم ذَبُلَتْ
أَغصانُهُ وَغَدَتْ ذِكرى وَأَحزانَا
قَد كُنتُ أَتبَعُ آثَاراً لَهُم طَلَلَتْ
حَتّى رَمَتْنِي رِيَاحُ البَينِ نَكرانَا
لَو يَعلَمُ الحُسنُ ما أَلقَى مِنَ الشَّجَنِ
لَأَسبَلَ الدَّمعَ مِن عَينَيهِ غُفرانَا
ما زِلتُ أَذكُرُ مِن لَيلِ الوَصلِ صُورَتَهُ
فَيزيدُني شَوْقُهَا وَجهدُهَا هَوانَا
وَيا لِقَلبٍ إِذا ما غابَ مُؤنِسُهُ
صارَ الفَضاءُ لَهُ صَحراءَ نِسيَانَا
إِنّي لأَذكُرُ أَيّاماً بَهِجْتُ بِهَا
فَكانَتِ الدَّهرَ في عَيني وَمِيزانَا
يا لَيلُ طُلتَ وَما في الصَّبرِ مِن مَهَلٍ
مادامَ قَلبِي لِغَيرِ الوَصلِ ظَمآنَا
يَا مُهجَةَ القَلبِ هَل تَدرينَ ما صَنَعَتْ
أَيّامُ بُعدِكِ مِن بُؤسٍ وَخِذلانَا
ما زِلتُ أُطْوِي مِدادَ الشِّعرِ مُحتَسِباً
حَتّى يُعيدَ الهَوى لِلقَلبِ أَوطانَا
لَو كنتِ تَعلَمينَ الجَمرَ في كبِدي
لَمُلتِ نحوَ الَّذي يَهوَاكِ غُفرانَا
يا صاحِبَ الطَّيفِ هَل تَأتي بِهِ فَرَحاً؟
فَالنَّومُ أَضحى لَدَيّ البَينَ إِذعانَا
ما عادَ طَيفُكِ إِلّا زادَ مُرتَهَناً
بِالشَّوقِ حتّى غَدَا جِسمي سُجَينانَا
قَد كانَ وَصْلُكُمُ الباقي لِيَنعَشُنِي
فَصارَ بُعدُكُمُ الباقي لِيَطوِينَا
ما زِلتُ أَذكُرُ مِن وَجهِ النَّهارِ هُمُ
والنَّورُ يَشعَلُ فِي أَحداقِهِ بُرهانَا
حتّى إِذا غابَ مِن عَينِي جَمالُهُمُ
غابَ الوجودُ وَصارَ الصَّدرُ نَيرَانَا
يا دارُ ما عادَ مِن ذِكرَاكِ مِنفَعَةٌ
إِلّا فُؤادٌ يَرى في الغَيثِ ظِمآنَا
لَو كانَ لِلبَينِ قَلبٌ ذاقَ صَبرَنَا
لَما تَجَرَّعَ فِينَا القَهرَ أَزمانَا
إِنَّ الفُؤادَ إِذا ما أشعلوا أَلَمًا
يَصِيرُ مِن نَبضِهِ في لَيلِهِ طُوفانَا
يا رُبَّ رُوحٍ مِنَ الأَذكارِ تُسعِدُني
فَتَمنَحُ الدَّمعَ مِنهَا لِلبُكا أَمانَا
ما زِلتُ أَحْفَظُ عَهدِي في مَحَبَّتِهِم
إِنَّ المُحبَّ لِأَهلِ الحُسنِ وَقَّانَا
يا لَيتَ رَكبَكُمُ يَومًا يُقَرِّبُنِي
فَالشَّوقُ طالَ وَقَد صَيَّرتُهُ قُربَانَا
لَو كانَ لِلحُبِّ لِلتَّبيانِ مِعرَضُهُ
لَرَأيتِ قَلبِي لِقَلبِ الحُسنِ عِنوَانَا
يا نَسمَةً مِن رُبى الأَحبابِ عابِرَةً
هَبّي وَأَهدِي لَهُم مِنِّي تَحنانَا
ما زِلتُ أَتبَعُ عَينَ الشَّمسِ أَرتقِباً
أَن يَلمَحُوا فَجرَ ظَنِّي ثُمَّ يَرعانَا
لَو أَنَّ في البُعدِ أَحجاراً تُعَثِّرُنِي
لَسارَ صَبرِي عَلَى الأَحجارِ مُعتانَا
قَد يَمنَحُ الحُسنُ مِنهُ للغَريبِ هُدىً
وَيُصبِحُ المَيِّتُ المَخذُولُ رَيحانَا
ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ البَينَ يُغمِدُنِي
حَتّى رَأَيتُ دُموعي تَستَبِي دَمعانَا
وَيا رَسولَ الهَوى هَل تُخبِرُ الغادِيَةَ
أَنّي أُقاسِي لَها في البُعدِ نَيفانَا
قَد غابَ وَجهُكُمُ عَنِّي فَما بَقِيَتْ
إِلّا رَسائِلُ شَوْقٍ تُوقِدُ الوجدَانَا
إِنّي وَرَبِّ الهَوى ما زالَ يُدهِشُنِي
أَن لَم تَزَل لِعُيُونِي تِلكَ أَعيانَا
يا أُمَّ قَلبِي وَمَن رَقَّت مَلامِحُهَا
حَتّى جَعَلتِ الهَوى فِي الدَّربِ غُفرانَا
لَو لَم يَكُن بَينَنا سِرٌّ يُؤَرِّقُنِي
ما صارَ لِلبُعدِ فِي أَحلامِنَا شَأنَا
قَد كانَ وَجهُكُمُ البَسّامُ مُبتَسِماً
فَأَصبَحَ الدَّهرُ مِن بُعدِكُم بُهتَانَا
يا لَيلُ رُدَّ لَنَا مَن كانَ يُؤنِسُنِي
إِنَّ الفُؤادَ بِغَيرِ الحُسنِ عُميَانَا
ما زِلتُ أَذكُرُ مِن أَطلالِكُم أَمَلاً
يُحيي الفُؤادَ إِذَا ما نالَ خُسرانَا
يا دارُ سامَحتُ مَن لَاقَى الهَوى بَطَرًا
لَكِنَّهُ ما عَرَفْ مِنهُ سُلطانَا
ما زِلتُ أَرجُو لِقَلبِي أَن يَعُودَ لَهُ
مِن وَجهِكُم ما يَشُدُّ الصَّدرَ إِيمانَا
فَإِذ دَنَوتِ فَذا قَلبِي يُقَبِّلُهُ
حُبّاً صَفَا فَغَدَا لِلقَونِ رِضوانَا