كتبتُ وقلبي من جوى البعد مُسْودُّ
ومن بحر دمعي هاطلُ الغيث يمتدُّ
وسُفْنُ الأسى فيه تروح وتغتدي
مَواخِرُها ريحُ المودَّةِ والوَجْد
وهذا محيطُ البحرِ قد بان حدُّه
وبحرُ دموعي لا يبين له حَدّ
محيطٌ على خدِّ الغريب مقرُّهُ
ومن عجبٍ بحرٌ مراسِبُه الخَدّ
وما بين جنبيَّ العليلَيْن لفْحةٌ
من النار شبَّتْ لا سلامٌ ولا بَرْد
فماءٌ ونارٌ في أخيكم تآلفا
فيا عجبًا هل يُجمع الماءُ والوَقْد
وما كنتُ أدري ما الفراقُ وما النوى
وما الأهلُ والأوطان والهجرُ والصَّدّ
إلى أن شربنا آجِنَ البُعْد قد بَدا
لدينا بأن البعدَ مسلكُه اللَّحْد
ولا عجبٌ أنْ فرَّقَ الدهرُ بيننا
فإن حياةَ الدهر في العالم البُعْد
فيا أيها الدهرُ الذي دأْبُه النوى
رويداً عليكَ الله بالبعد لا تَعْدُ
تَريشُ سهامَ البُعد قتَّالةَ الورى
أَقلبُكَ صمُّ الصخرِ والحجرُ الصَّلْد؟!
ألا فارحمِ النائين بالجمع ولْيكنْ
لدأْبك هذا من عواطفِك البُدّ
لحا اللهُ أيامَ الفراق فإنها
تُشيِّبُ جُنْحَ الليل والليلُ مُسْودّ
رعى الله أيامًا بها العيشُ قد صفا
بقربٍ من الأهلين مازجَها الشهْد
يرفُّ فؤادي كلّما هبَّتِ الصَّبا
حنينًا إلى الأوطان والركْبُ ما يحْدو
وأنشقُ ريحَ الغرب مَعْ أنَّ نفحَها
عقيمٌ كأني فاح في أنفيَ الرَّنْد
وما أنشقُ الريحَ العقيمَ لطيبِها
ولكنْ بها طِيبُ الأحبَّةِ إذ تَغْدو
ألا يا نسيمَ الروض إن جزتَ موطنًا
به الأهلُ والخِلاّن والمهنأ الرغد
فأنعمْ صباحًا خَفّفِ الوطأ عندما
تجوز الحمى يزدان من نفحك الورد
وعرِّجْ على تلك الربوع ميمّمًا
ديارًا على سُكّانها يخفق المجد
ديارًا يموج الأنس في عَرَصاتها
ولا زال فيّاحًا بأرجائها النَّدّ
ديارًا بها أُسْدُ العرين تطلّها
ولا غروَ أن الأَجم تأوي لها الأُسْد
وقَدّمْ تحيّاتِ الغريب لمعشرٍ
بغيرهمُ لم يُحفظِ العهدُ والودّ
عليكم تحيّاتٌ تفيض من الرضا
مضامينُها شكرٌ وأنفاسها حمد