أعوامٌ من الحزن وسبيِّ الفرح
ولا زلت أَحلُم بإعتاق السّبايا
وإكساء الأيتام،
تسرح في مخيلتي…
ألف صورة عن المروج الخضراء…
الزّهور والنّحل
هالةُ الصّباح التي تحيط عنقي
كطوق الياسمين
ومع ذلك…
أجد نفسي عالقاً كالصّرصار…
في زاوية الغرفة
لا أنتظر شيئاً
إلّا أن أُقلَب على ظهري
ليحملني النَّمل لمثوايَ الأخير.
ما أكثر الجُّدران التي تحيط بي
في الساعة الثانية…
من الليل
ذاك الشبح الذي يُحَلّق كالخفّاش…
فوق محطة المغادرين
فوق قلبي.
دعوني أقترب أكثر
أيّها العمال
أيّها الفلاحون
عندما تهجم الغربان
وتجمع جنودها
من دراويش وقطّاع طرق
دعوني أقترب
وأنا رافعٌ طرف ثوبي
مستتراً كالضّمير العربيّ
دافناً رأسي كالنّعامة
كي لا أرى دمعة أُخرى
ففي عروقي
تسري الخيبات بدل الدِّماء.
في الوحدة يموت الوقت
يستلقي على كتفي
لا يسعى للتقدم
كالأمواج…
تسكّنها يد الله،
صفعة على وجهي
مع كل نبضة ساعة،
أجمع أعقاب السّجائر
أصنع تمثالا…
ليكون صديقي
وفجأة
يتحول إلى رماد.
عربات الموتى
مستلقية على جبال دمشق،
القدر
مشنوق على رابية
وقبورنا الموحشة
تفترشُ ليلاً بلا حبيبة،
في الليل
أبحث عن بعض الخمر
عن بعض الظّهور المنحنية كالأفاعي
عن مجهر
لأرى وطني
فوق راحة أبي.
سأجمع كل الأقدام والعربات
لأمضي…
مسرعاً كليلة على صدر شقراء
إلى مكان ما
رايته ليست من حرير
بل من الملابس الداخليّة،
فحرّيتي طوقٌ…
يلتف حول عنقي
يخنق الظِّل الهارب في خيالي
وتحت عينيّ.
كلما سمعت
عن الوطن والرّايات
اختبأت تحت الطَّاولة
كالجنديّ في خندق
كالعاهرة لحظة مداهمة.
كنهدين دافئين
كقبلة على شفاه قدّيسة
كالوديعة في الرحم
أنت يا وطني،
مع كل جلدة أو صفعة
أطلق دُخَان سجائري
فوق دفاتر التاريخ
فقد أخذوا المستقبل
وأعطونا بدلاً عنه…
جناح بعوضة.
أمشي كالقرويّ البائس
أقف بعرض الشارع
أتناثر كالغبار الذي يغطي الحناجر
أصرخ كالولّادة
صوتي يدوي…
كحمحمة الجّياد في الملاحم
ولكن…
ما من سامع
وعندما دق الطّبل
في أذن أحدهم
رجمني بالحجارة
كإبليس.
كُنّا…
خريفاً يتأرجح بين المارّة
يتمايل يميناً وشمالاً
صعوداً وهبوطاً
وحبّات اللؤلؤ قابعة على جباهنا
تحرقها كجمرات اللهيب،
لا أحد في غرفتي…
سواي،
لا أحد في الزّقاق…
سواي،
لا أحد في المدينة…
سوى حزني
وعواء الكلاب الشّاردة
كبيارق النّصر،
كنت وحيداً يا وطني
ابحث عن امرأة فوق الرّخام
نهداها يتحركان كأجراس كنيسة
أُريد أن ألعقها كالمثلّجات
وأن أعزف على جسدها
لحن اللقاء الأول
والوداع الأخير،
كم أبدو وحيداً
رياحاً في صحراء
أو طفلاً في مبغى،
كم أبدو شاحباً
كالملابس الدّاخليّة
أو كجدران مسجد،
أنا حزينٌ يا أُمّي.