أرى حيثُ غابَ النورُ لمساً طوالعي
وتُخبِرُ عنّي حيثُ صبَّتْ منابعي
وبَيني وبَينَ الناسِ نأيٌ وراحةٌ
فغيمي تدانى حيثُ شاءت مرابِعي
فلا حينَ أُرضي الناسَ أزدادُ إصبعاً
ولا حينَ غيظَ الناسُ قلّت أصابعي
ولستُ بذي سمعٍ على كُثرِ قولهم
فما قد يطالُ القولُ إلّا مسامعي!
ولا بي نزوعٌ من عسيفٍ لهمَّةٍ
فبالإلفِ والأوطانِ همَّت نَوازِعي
وما الصمتُ عندَ الوصلِ كالصمتِ في الجفا
فهذا لشبعانٍ وهذا لجائِعِ
فإن رانَ سفحَ القلبِ قحطٌ لهَجرِهِم
تفيضُ على الأطلالِ شوقاً مدامعي
وبينَ اغترابِ العمرِ والدارِ مرفأٌ
يطيلُ عليهِ الموتُ حيّاً تَنازُعي
أراها على الأعتابِ حتى كأنَّني
أخالُ مِراراً ما نجوتُ مَصارعي
وفي قُربةِ الأعيانِ زُلفةُ تابعٍ
يُكفكفُ خفراً ذيلَ ظلِّ البراقعِ
سآوي لبطنِ الصمتِ رؤيا مُسَبِّحٍ
وتتلو عليَّ الفقدَ وِتراً صوامعي
كأنَّ ليالي الهمِّ في الروحِ بلسمٌ
لما كانَ أنكى فهي منها منافعي
عليكَ بوأدِ القولِ إن كانَ متلفاً
فما حينَ عاشَ القولُ ماتت مواجعي
وكن في حديثِ الغيرِ بالذنبِ زاهداً
وأوفرُ من ذا الزُّهدِ بالصمتِ ما تعي
فإن ظنَّ مني الناسُ صمتي تعالياً
فإنّي جميلُ الهجرِ حتى بلاقعي
وها أنا رغمَ الكسرِ أنبضُ عزّةً
وتنبضُ رغمَ العزِّ كسراً توابعي