إلى الكعبة الغراءِ يممتُ محرماً
ووجهت وجهي للمهيمنِ مسلما
وودعت آثامي وتبت لبارئي
فلم أرَ مثل التوبِ للنفسِ معصما
وأقبلتُ عطلا من ثيابٍ وزينةٍ
فحسبي إزارٌ باتَ للزهدِ توأما
ورحتُ ألبي لاهفا متشوقا
إلى ذلك الوِردِ الذي يطفئ الظما
وقفتُ أمامَ الركنِ والبيتِ خاشِعا
وعاينتُ من حولي المقامَ وزمزما
وطفتُ ببيتِ اللهِ والقلبُ ضارِعٌ
لمولاهُ يرجو أن يمنَّ ويرحما
وفاضت دموعي إذ تبدتْ لناظري
ذنوبي وعمري كادَ أن يتصرما
فناديتُ ربي من رِحابٍ تشرفت
بأقدسِ بيتٍ قامَ للأمنِ معلما
وقلتُ إلهي بالخطايا تسربلت
جوانبُ نفسي والحشا باتَ معتما
فنوِّرْ فؤادي بالهدى وبصيرتي
لأخرج من أسر الضلالة والعمى
ويا رب هب لي من لدنك معونة
على كبحِ نفسي أن تضلَّ وتظلما
فإنَّ السعيدَ الحق من صنتَ قلبه
عن الإثمِ، والمحرومِ من خاضَ مأثما
وقد لذتُ بالبيتِ المحرمِ عائذا
بوجهكَ ربي أن أردَّ وأحرما
فثبت على تقواكَ خطي ولا تُزِغْ
عن الحقِّ قلبا قد أنابَ وأسلما
وهب لي من الإيمانِ حصنا وآتني
يقينا يقيني أن أزلَّ واندما
فأنتَ الذي تهدي المسيءَ فيهتدي
وتمحو خطايا من على الخيرِ أقدما
وأنتَ وليي فاكفني فتنة الهوى
وصن يا ملاذي مستجيرا بكَ احتمى
وتوِّج إلهي حجنا بقبولهِ
وزدنا بهِ أجرا فما زلتَ منعما
وجد بالرضا والفضلِ عنا تفضلا
وعن والدينا منة وتكرّما
وصلِّ على المختارِ أكرمِ مرسِلٍ
وأكرم من لبى وطافَ وأحرما
من اختاره الرحمن للكونِ هاديا
وآتاهُ خلقا ما أبر وأعظما
فأكرِمِ بهِ في اللهِ خيرَ مجاهِدٍ
وأكرمْ بِهِ في المرسلينَ مقدَّما
وأكرِمْ بِهِ للمتقينَ إمامهمْ
وأكرِمْ بِهِ للعالمينَ معلّما
وأكرم بمن ترجى شفاعته غدا
فما مثلهِ من بالشفاعةِ كرِّما
ولا غيره أسرى بهِ اللهُ وارتقى
بمعراجِ نورٍ للمليكِ بهِ سما
فلما دنا حيّى المليكَ تحيةً
غدت بعدُ ركنا للصلاةِ متمما
وحياهُ رب العرشِ في ظلِّ عرشهِ
وأعطاهُ ما أعطى ومنَّ وأنعما
وشرفهُ بالقُربِ من بينِ خلقِهِ
فكانَ أعزَّ الخلقِ في الأرضِ والسما
فطوبى لمن زارَ الحبيبَ بطيبةٍ
وشاهَدَ قدرَ الرسلِ فيهِ مجسما
وتاقت إلى نفحِ النبوةِ روحه
فأقبل نحو المصطفى متحشِّما
وناجى رسول اللهِ والطرفُ مطرِقٌ
وصلى على الهادي البشيرِ وسلَّما
ويا سعدَ من صلى بروضةِ أحمدٍ
ومِنْ عَبَقِ المختارِ مسكاً تنسما
وآنَسَ من نورِ النبوةِ هالةً
تعانِقُ قلباً بالحبيبِ متيما
وتسعِدُ نفسا شفَّها الشوقُ للسنا
وتشرح صدرا بالخشوعِ مطعِّما
فخفَّ لها قلبي وهزتهُ نشوةٌ
سرت في حواشي النفسِ برداً وبلسما
وفاضَ معينُ النورِ من كل جانبٍ
ورف الندى والطيبِ كالقطرِ إذ همى
فأترعتُ كفي بالندى متوضئاً
ومرغتُ وجهي بالسنا متيمما
ورحتُ لفوري ساجدا ومسبحا
وحولي صدى التسبيحِ يشدو مرنما
فخِلتُ الصدى همس الملائكِ في العلى
وخِلتُ السنا وجهَ الجنانِ تبسما
وفي موكِبِ الأنوارِ طافت بي الرؤى
تحلق في صمتٍ يفوق التكلما
تطالعني عبر العصورِ مساهِدٌ
تولف سفرا باتَ للمجدِ معجما
يتوجهُ عهدُ النبي وصحبهِ
وقد نذروا للدعوةِ المالَ والدِما
فما زادهم إلا مِضاءَ عزيمةٍ
وصبرا يردُّ البغيَ بالغيظِ مضرما
وتنسلخُ الأعوام والكفرُ سادِرٌ
ويرتقبُ الإيمانُ نصرا محتما
فمذ بايع الأنصارُ لاحت بشائرٌ
فخطَّ رسول اللهِ رأيا وأحكما
وراحَ يعدُّ الأمرَ والله حسبهُ
وعاصمهُ من أن ينالَ ويهزما
وراحت قريشٌ إذ أحست بعزمه
تبيت غدرا ما أخسَّ وألأما
وجاؤوا يسلون السيوفَ فمسهم
خيالٌ وباتوا كالمُخَدَّرِ نوَّما
فمر رسولُ اللهِ وسطَ جموعهم
وكلهمو قد غط في النومِ مرغما
ولما أفاقَ القومُ جنَّ جنونهم
أباتوا سكارى أم تماثيل كالدمى
فهاجوا وماجوا ثم طاروا وراءه
لكي يدركوهُ حيثُ سارَ ويمما
ولكن عين اللهِ كانت تظله
وصاحبه في الغارِ لم تغنهما
وباضت بباب الغارِ ورقاء وانبرت
عناكبه نسجاً فغامَ وعتَّما
وكلت عيونُ القومِ بحثا فلم يروا
سوى خيبة الآمالِ خسرا ومغرما
وأخزاهم الرحمن وارتدَّ كيدهم
إلى نحرهم نارا وغيظا ومندما
ويمم ركب المصطفى نحو طيبةٍ
وانجاهُ ربُّ العرشِ منهم وسلَّما
وهبت للقياهُ المدينةُ فرحةً
بمقدمِ خيرِ الخلقِ ركباً ومقدما
فكانَ لقاءً للمؤاخاةِ رائدا
وللبذلِ والإيثارِ عيداً وموسما
غدت بعده أرض المدينةِ موئلا
ينزلُّ فيهِ الذكرُ وحيا منجما
فراحَ رسول اللهِ يقضي بنهجهِ
ليثبته في الأرضِ شرعا محكما
ليبني على الإسلامِ أعظمَ دولةٍ
تفيأت الدنيا بها منذُ آدما
وجاهدَ حتى أيد اللهُ دينهُ
بنصرٍ على نصرٍ وبالفتحِ تمما
فولت جيوشُ الكفرِ وانهدَّ ركنها
ونكست لأصنامُ والشركُ حطما
وأشرقَ فجرُ الحقِ والنورِ والهدى
بأرجاءِ كونٍ كانَ من قبلُ مظلما
فحمداً لمن أهدى إلينا محمداً
ليهدينا أهدى سبيلٍ وأقوما
لقد جاءنا بالبيناتِ وبالهدى
كتابُ من الرحمن أنزِلَ قيما
وعلمنا الدينَ الحنيفَ مفصلا
وبين شرعَ اللهِ حِلّاً ومحرما
ولبى نداءَ اللهِ والدينُ قائمُ
كطودٍ بنورِ اللهِ أمسى معمّما
ففي ذمةِ الرحمن يا سيد الورى
وعهدك باقٍ ما مضى الدهرُ ملزما
جزاكَ إلهُ العرشِ أوفي جزائِهِ
وصلى عليكِ اللهُ دوما وسلما
وقامَ بأعباءِ الأمانة بعده
خلائف هبوا للجهادِ ترسما
فكم شرَّقوا في الأرضِ فتحا وغربوا
وكم رفعوا الراياتِ في الأرضِ أنجما
وكم أسسوا من دولةٍ بنيت على
مبادئ دينِ اللهِ نهجا منظما
شعارهمو عدلٌ وحلمٌ وعفةٌ
فلم تشهد الدنيا أعف وأحلما
وبالعلمِ راحوا ينشئونَ حضارةً
تأست بها كل الشعوبِ تعلما
واعلوا منارَ الدينِ والعلمِ باسقا
وشادوا على الأخلاقِ للمجدِ سلما
وفاضت بي الذكرى فأرسلتُ دمعةً
على صرحِ مجدٍ شامخٍ قد تهدما
فقمتُ إلى مثوى الحبيب أبثهُ
خواطر مكلومٍ يلوب تألما
على المسجدِ الأقصى أسيرا مكبلا
غدا في يدِ الأعداءِ نهبا مقسما
يعيثُ بهِ الأعداءُ جهراً كأنهم
ذِئابُ غدت حولَ الفريسةِ حوِّما
وأهلوهُ باتوا كالأسارى بدارهم
يعانونَ مرَّ العيشِ صاباً وعلقما
يسامونَ أصنافَ العذابِ تأسفا
على يدِ أعداءِ الحمى وتحكما
وكم بذلوا من مائهم ودمائهم
فما وهنوا يوما ولا اليأسِ خيما
وظلوا على الأعداءِ حربا وقومهم
يمنونهم بالزحفِ جيشا عرمرما
وطالَ انتظارُ الزحفِ والوعدُ لم يزل
كلاما وكانَ اللهُ بالسرِّ أعلما
فرحماكَ يا ربي ولطفاً بأمةٍ
تمتُّ إلى المختارِ دينا ومنتمى
تفرق شملُ المسلمينَ فردَّهم
إلى الدينِ صفا، واكفهم راميا رمى
وولِّ عليهم يا إلهي خيارهم
وألف قلوبا بينها الخلفُ قد نما
واصلح ولاةَ الأمرِ واجمع قلوبهم
على الخيرِ واجعلهم على الحقِّ قوَّما
وبارك الهَ العالمينَ جهادنا
وهيئ لنا نصرا يعز به الحمى
ونمحو بهِ عارَ الهزيمةِ عندما
يعودُ لنا الأقصى عزيزا مكرما
وسدِّد خطانا يا إلهي وكن لنا
حمىً من عوادي الدهرِ يا خيرَ من حمى
دعوتكَ ربي ساعيا وملبيا
وقد كنتَ لي فيما دعوتكَ ملهما
تقبل دعائي واستجب لضراعتي
بحرمةِ بيتٍ جلَّ قدراً وحرِّما
وبارك طوافي في حماهُ ووقفتي
ببابكَ لا أبغي سوى العفوِ مغنما
واكرم قصيدي بالقبولِ فإنه
دعاءٌ وتسبيحٌ بذكركَ أفعِما
وصلِ على خيرِ الأنامِ محمدٍ
حبيبكَ وابعثه المقامَ المعظما
وأبلغه عنا ربِّ أزكى تحيةٍ
ننالُ بها زلفى لديكَ وأنعما
وشفعهُ فينا يومَ لا المالُ نافِعٌ
ولا الجاهُ إلا من أتى اللهَ مسلما