يا من لبستِ الثوب أسودَ فاحمًا
إني عليكِ من السواد أغارُ
فيمَ الحدادُ وليس يبقى كائنٌ؟
والحزنُ تقصر دونه الأعمار
وإذا حملتِ على الحداد فأجملي
إن الحداد تجمُّلٌ ووقار
ما هكذا سمةُ الأسى يا طفلتي
لكنْ لمثلكِ تُبتغى الأعذار
ما اعتادتِ الفتياتُ في سنّ الصّبا
حمل الهموم فحملهنَّ إسار
كُلّفتِ قيدًا زاد سحرك فتنةً
وبحسرها تتأرَّج الأزهار
أم خلتِ هذا «الشفَّ» يستر خافيًا؟
أم في التبالُه للشكوك مثار؟
خلّي الحداد لأهله وتمتَّعي
بشبابك الريّان وهو نضار
وهبي الحداد ضرورةً محتومةً
أين الحدادُ؟ وأين منه شعار؟
كل المفاتن تحت ثوبك شعشعتْ
كالليل تفضح سرّه الأنوار
وتعرّتِ الأطراف فهي أشعةٌ
دريّةٌ فيها العيونُ تحار
غاليتِ في خلع العذار فحدّقت
بك أعينٌ وتساءل النظّار
وفضحتِ بضَّ الجسم إذ أخفيتِه
بغلالةٍ سرحت بها الأبصار
وعلا السواد بياض جسمك فانبرى
يحتجّ وجهٌ دونه الأقمار
يضفي على الصدر الجميل ضياءه
ويثير بحرًا موجُه هدّار
يغري المتيّم باقتحام عبابه
حتى ولو أودى به التيّار
يا حبّذا غرقٌ بلجّة مرمرٍ
لا البحرُ موطنها ولا الأنهار
أنواؤها وَجْدٌ تأجّجَ في الحشا
لا الريحُ تُزجيها ولا الإعصار
تعلو وتهبط كلما عصف الجوى
بضلوعها أو هاجها التذكار
إن رمت سَبْحًا عبرها فزنودها
فُلْكُ النجاة إذا دهت أخطار